آخر الأخبار

حول تصريحات أحمد هارون ل(رويتز)

  • الدعوة لدور جديد للجيش في السياسة … قف قبل متابعة السير
  • ابتداع نظام حكم (هجين) يراعي (هشاشة) الوضع الأمني بالبلاد عبارة حمالة أوجه
  • أخير اختار المؤتمر الوطني (باب الابتخابات ) بديلا ل(شباك الانقلابات العسكرية) للوصول للسلطة مجددا
  • هل راجع المؤتمر الوطني تجربة حكم ال30 سنة بصورة حقيقية أم كانت المراجعة صورية؟

تقرير- دكتور إبراهيم حسن ذو النون:
خرج مولانا أحمد محمد هارون من حالة صمت طويلة حيث أدلى بتصريحات ل(رويتز) كشف فيها عن رؤية حزبه حول الكثير من القضايا الراهنة, لاسيما القضايا المتعلقة بالحرب الماثلة وأثارها على كافة الأصعدة.
ويرأس مولانا أحمد محمد هارون حزب المؤتمر الوطني (المحلول)بموجب تدابير دستورية وقانونية أدت لحله بواسطة السلطات التي استلمت السلطة عقب سنوات حكم المشير عمر حسن أحمد البشير التي نقصت عن الثلاثين عاما شهرين وبضعة أسابيع والتي بدأت صباح يوم الجمعة 30 يونيو1989م وانتهت صباح الخميس 11 أبريل 2019م حيث اذاع الفريق أول ركن عوض بن عوف بيانا أعلن فيه تنحية المشير عمر البشير من السلطة وتشكيل مجلس عسكري برئاسته وعضوية آخرين من القيادات العسكرية, ولكن ما لبث أن تنحى هو الآخر من الحكم بعد مضي يوم واحد وبضع ساعات في الحكم حتى أطلق عليه (رئيس ليوم واحد), وبعدها اختفى من المشهد العام بالبلاد تماما وسط أبناء تقول إنه إختار العاصمة المصرية (القاهرة) مقرا لإقامته, لكن اللافت إنه لم يظهر في أي محفل سوداني عام برغم تواجد المئات من الشخصيات السودانية من كل ألوان الطيف السياسي والمجتمعي ( عسكريين,سياسيين, اكاديمين,اعلاميين,قانونيين,فنانين, رياضيين, مثقفين, قيادات أهلية ومدنية, رجال دين وطرق صوفية), يشاركون في مناسبات سودانية عامة في نطاق محافظة القاهرة الكبرى وبعض المحافظات الأخرى التي يتواجد فيها الكثير من السودانيين أيضا كمحافظات أسوان والإسماعيلية والإسكندرية.
الظهور المفاجي:
هذا الظهور المفاجئ لمولانا أحمد محمد هارون بعد فترة غياب طويلة جعل بعض المراقبين تسألون عن دلالات توقيت هذا الظهور, حيث عزاه البعض إلى قرب نهاية الحرب حيث تجري تحركات بعيدة عن الأنظار بواسطة جهات دولية واقليمية تحاول إحداث تقارب بين طرفي الحرب وإنهاء معاناة السودانيين بسبب الحرب وأثارها بعد ما يزيد على العامين ونصف العام, وأن هذا الظهور يعني أن المؤتمر الوطني يبحث عن (الدور المفقود) الذي افتقده بعد حدوث التغيير بفعل ثورة ديسمبر 2018م والتي تمخض عنها تغيير 11 أبريل2019م.
ويري آخرون أن توقيت ظهورهارون اقتضته معطيات موضوعية إذ أن المؤتمر الوطني حاضر منذ بداية الحرب حيث وقف مع الجيش وبقي أنصاره من المستنفرين في الخنادق والصفوف الأمامية لاسيما بعد بدء العمليات البرية حيث يقاتل آلاف الشباب من عضويته ضمن القوات المساندة للجيش بالإضافة لقوات لواء البراءيين.
انتقاد تصريحات هارون:


لقيت التصريحات التي إدلى بها لوكالة (رويتز) مولانا أحمد محمد هارون انتقادات شديدة من مناهضي فكرة عودة المؤتمر الوطني للحياة السياسية العامة في السودان, حيث عارض بشدة القيادي بحزب المؤتمر السوداني ومجموعة صمود المهندس خالدعمر يوسف المعروف ب(خالد سلك) في صفحته على منصة (الفيس بوك) وأشار إلى أن هذا الظهور يعني عودة المؤتمر الوطني للواجهة مرة أخرى, فيما مضى عضو مجلس السيادة الأسبق محمد الفكي سليمان في ذات اتجاه خالد سلك حيث شدد قائلا إن أحمد هارون وهو المطلوب للقضاء العالمي ( المحكمة الجنائية الدولية) والقضاء الوطني, فإن ظهوره يؤكد تحديه للقانون, مضيفا أن هذا الظهور يعني أن المؤتمر الوطني قد انتقل من(السرية) إلى (العلنية).
وقال الفكي إن المؤتمر الوطني قد بدأ العودة التدريجية من انقلاب25 ديسمبر،2021م, حيث نفذ الانقلاب بواسطة قائد الجيش عبدالفتاح البرهان وقائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو(حميدتي), ثم استمر على ذات المنوال فقام باشعال حرب 15 أبريل2023م الماثلة الآن والتي ساند فيها الجيش ودفع بمجموعة من الشباب للحرب.
تساؤل مشروع:
ويثور تساؤل مشروع في تقديري تمثل الإجابة عليه تفسيرات لجملة النقاط التي حوتها تصريحات مولانا أحمد محمد هارون والتساؤل هو, هل راجع المؤتمر الوطني تجربة حكم ال30 سنة الاقليلا بصورة حقيقية أم كانت المراجعة صورية؟.
وواضح من خلال تصريحات هارون أن المؤتمر الوطني قد أجرى مراجعات عميقة في تجربة حكمه التي قاربت الثلاثين عاما, وقد كانت هذه المراجعات بصورة حقيقية وليست صورية وقد توصل في تلك المراجعات إلى أن الديمقراطية القائمة التعددية السياسية عبر المؤسسات الحزبية (التي تمارس الديمقراطية) في داخلها هي الطريق الأمثل لحكم السودان عبر رؤى وسياسات واضحة لإدارة التعدد والتنوع في السودان وبعدالة ودون إقصاء لأي جهة وذلك لتحقيق العدل والمساواة القائمة على إزالة رواسب الماضي التي شهدت اختلالات واضحة وبينة في موازين السلطة والثروة, لذلك يبدو أن المؤتمر الوطني قد إنتهى إلى أن تحقيق هدفه الاستراتيجي والمتمثل في العودة مجددا للسلطة لن يأتي إلا عبر صندوق التنافس الانتخابي أي العودة للحكم بالباب وليس بشباك الانقلابات العسكرية على غرار ما حدث في 30 يونيو 1989م.
الدورالجديد للجيش:
لامست تصريحات مولانا أحمد محمد هارون قضية مفصلية في الحياة السياسية لازمت السودان منذ بداية سنوات الحكم الوطني وهي علاقة الجيش بالسياسة, حيث ظلت معظم القوى السياسية ذات علاقة تضادية مع الجيش فهي من الناحية النظرية تهتف بأن يعود للثكنات ومن الناحية العملية كل القوى السياسية المؤثرة لها تجارب في تحريض الجيش للانقلاب على السلطة المدنية المنتخبة (حزب الأمة وانقلاب الفريق عبود 17 نوفمبر1958م) و(الحزب الشيوعي السوداني وبعض القوى اليسارية ذات التوجه القومي العربي انقلاب العقيد جعفر نميري25 مايو 1969م) و(الجبهة الإسلامية القومية وانقلاب العميد عمر البشير30 يونيو1989م) بالإضافة لانقلابات كتب عليها الفشل(19يوليو1971م الرائد هاشم العطا الحزب الشيوعي السوداني) و(28رمضان1990م اللواء الكدرو حزب البعث العربي الاشتراكي).
كما أن نفس هذه الأحزاب تلجأ للجيش في حالة نضوج خيار الانتفاضة والثورة الشعبية بواسطة الجماهير للانحياز على غرار ما حدث في 21 أكتوبر1964م و6 أبريل1985م و19 ديسمبر2019م, ثم تمارس نفس هذه الأحزاب دورها في سرقة الانتفاضة والثورة.
ويبدوأن مولانا هارون قد ألمح لذلك الدورالجديد للجيش, وذلك من خلال طرحه لرؤية ( إبتداع نظام حكم هجين) يزاوج بين الحكم المدني الديمقراطي وبين حكم عسكري يترك للجيش فيه الأمور السيادية الشرفية.
وبرغم أن الفكرة تحتاج لتوضيحات لإزالة بعض الغموض لأن طرحها بهذه الكيفية (حمالة أوجه)خاصة بعد ربطه بما يعرف ب(الهشاشة الأمنية).
مشروعية الاستفتاء:


من أهم النقاط التي تحتاج لتوضيحات في تصريحات مولانا أحمد محمد هارون هي مسألة إجراء استفتاء لقائد جديد, ومبعث الغرابة في هذه الجزئية هو إجراء استفتاء لاختيار قائد جديد للجيش بعد إنتهاء الحرب, وهنا يقفز التساؤل المهم وهو من أين يستمد هذا الاستفتاء مشروعيته القانونية لاسيما أن هذا النوع من الاجراءات تحكمه التشريعات الحاكمة للقوات المسلحة والنظم المكملة لها والمتعلقة بالأقدمية العسكرية والتي أصبحت راسخة ومضطردة.
وعلى كل بتقديري أن مولانا أحمد محمد هارون قد القى حجرا في بركة ماء ساكن (علاقة الجيش بالسياسة والأدوار الجديدة له), ولكن هذا الحجر قد تواجهه لافتة (قف قبل متابعة السير) ولافتة أخرى أكثر أهمية (منطقة عسكرية ممنوع الاقتراب والتصوير).