آخر الأخبار

لماذ لا تتحول الإدانات الدولية للمليشيا لقرارات رسمية..السودان يطلب ومراقبون يجيبون على السؤال؟

تقرير- الطيب عباس:
أدان المتحدث باسم مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان جيريمي لورنس، شن مليشيا الدعم السريع “هجمات وحشية” على مدينة الفاشر المحاصَرة ومخيم أبو شوك، ما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 89 مدنيا خلال 10 أيام حتى 20 أغسطس الجاري.
وأعرب لورنس، خلال إحاطة صحافية في جنيف، عن خشيته من أن يكون العدد الفعلي للضحايا المدنيين أعلى من ذلك بكثير، مشددا على أن هذه الهجمات غير مقبولة ويجب أن تتوقف فورا.
وأشار المسؤول الأممي إلى (صدمته) من طبيعة (الجرائم) المرتكبة بحق المدنيين ومن بينهم 16، جلّهم من قبيلة الزغاوة، قضوا على ما يبدو في عمليات إعدام بإجراءات موجزة” في مخيم أبو شوك.
ورأى في هذا النمط من استهداف المدنيين والقتل المتعمد انتهاكا جسيما للقانون الإنساني الدولي، وتأكيدا لـ(مخاوفنا العميقة من تصاعد العنف بدوافع إثنية).
وتأتي إدانة المتحدث باسم مجلس حقوق الإنسان بعد نحو أسبوع من إدانة مماثلة وجهها مجلس الأمن الدولي للمليشيا.
الإدانات الأممية لم تتوقف، حيث وجه مجلس الأمن نفسه في 17 أبريل الماضي إدانة لمليشيا الدعم السريع، واتهمها بمقتل 400 شخص على الأقل منهم أطفال وما لا يقل عن 11 عامل إغاثة.
ودعا أعضاء مجلس الأمن وقتها إلى مساءلة قوات الدعم السريع على هذه الهجمات, وأشاروا إلى قرار المجلس رقم 2736 الصادر عام 2024، مجددين التأكيد على مطالبتهم بإنهاء قوات الدعم السريع لحصار الفاشر ودعوتهم إلى الوقف الفوري للقتال وإلى تهدئة التصعيد في الفاشر وما حولها, ودعا أعضاء مجلس الأمن الدولي أطراف الصراع إلى حماية المدنيين والامتثال لالتزاماتها بموجب القانون الدولي والوفاء بالقرار 2736، وتعهداتها بموجب إعلان جدة.
الأمم المتحدة نفسها، والاتحادين الأوروبي والإفريقي أدانوا انتهاكات مماثلة قامت بها مليشيات الدعم السريع.
وجميع هذه المواقف رغم فداحة الانتهاكات الموثوقة التي قام بها الدعم السريع، فإن المجتمع الدولي لم يتجاوز محطة الإدانات، ما فتح الباب واسعا، أمام جدوى الإدانة، إذا لم توقف انتهاك ولا تنصف مضطهد.
تجاوز مرحلة الإدانة:
في بيانها، ليل السبت، رحبت وزارة الخارجية السودانية بالبيان الصادر عن المتحدث الرسمي باسم المفوض السامي لحقوق الإنسان، الذي أدان الهجمات التي شنتها المليشيا المتمردة على مدينة الفاشر المحاصرة، والانتهاكات التي ارتكبتها في معسكر أبوشوك للنازحين، بما في ذلك التصفيات العرقية وانتهاكات القانون الدولي الإنساني.
وجددت الوزارة، دعوتها للأمم المتحدة وأجهزتها المختصة لتجاوز مرحلة التنديد والشجب إلى اتخاذ إجراءات عاجلة وفاعلة ضد مليشيا آل دقلو المتمردة، بما يضمن إلزامها بتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2736 ورفع الحصار الجائر عن مدينة الفاشر فورًا.
كما أكدت على ضرورة تصنيف المليشيا كجماعة إرهابية وفق القانون الدولي، لضمان حماية المدنيين ووقف الانتهاكات المتكررة ضد سكان المدينة ومعسكرات النازحين.
وأوضحت الخارجية السودانية، أن استمرار الصمت الدولي تجاه هذه الجرائم لن يُسهم إلا في استمرار المعاناة الإنسانية، وأن على المجتمع الدولي أن يتحمل مسؤولياته كاملة في حماية المدنيين وضمان احترام سيادة السودان ووحدة أراضيه.
الصمت الدولي وعدم تجاوزه لمحطة الإدانة دفع رئيس الوزراء كامل إدريس إلى اعتباره (جريمة كبرى)، سيما في الحصار الذي تفرضه المليشيا على المواطنين بالفاشر، وتجاهلها لقرار سابق لمجلس الأمن بفك الحصار عن المدينة.
لماذ الصمت الدولي؟:


توقف المؤسسات الدولية عند محطة الإدانة رغم الانتهاكات المروعة والموثقة، التي قامت وتقوم بها المليشيا، يعتبرها مراقبين عجز المقتدر، حيث بإمكان مجلس الأمن أن يترجم هذه الإدانة لقرارات تنفيذية كحظر توريد السلاح للمليشيا أو دعم الحكومة السودانية للقضاء على المليشيات أو بفرض عقوبات على الدول الداعمة، سيما دولة الإمارات.
لكن لماذا لا يفعل ذلك؟؟.. يسرد الخبير الأمني والإستراتيجي، العميد معاش جمال الشهيد، جملة من التعقيدات الدولية في تعاطيها مع الأزمة السودانية.
يقول العميد جمال الشهيد، إن مجلس الأمن والأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان اعتادوا أن يبدأوا مواقفهم بإصدار بيانات الإدانة والتعبير عن القلق وهذه الخطوة في الغالب ليست الغاية في ذاتها وإنما تستخدم كآداة لاثباتها في السجل الدولي وإرسال إشعارات سياسية للمجتمع الدولي والفاعلين الاقليميين.
ويعتبر العميد جمال، أن الإدانة تستخدمها المؤسسات الدولية لممارسة ضغط معنوي على الأطراف المنتهكة (مليشيات الدعم السريع)، لكن كثيرا ما تبقى هذه الإدانات بلا خطوات تنفيذية ملموسة خصوصا في أزمة السودان المعقدة.
لكن لماذا لا تتحول لخطوات ملموسة؟؟، يرى العميد جمال الشهيد، أن الأزمة نابعة من تعقيدات بنيوية في المنظومة الدولية، مشيرا إلى أن مجلس الأمن الدولي كمثال، حال لجأ لفرض عقوبات، مثل حظر الأسلحة عن جهة ما، أو قرر التدخل الدولي في دولة ما، فإنه بحاجة لقرار جماعي، وهذا القرار خاضع لآلية الفيتو وأي دولة دائمة العضوية يمكن أن تعطله اذا كان هذا القرار له انعكاسات على مصالحها.
تضارب مصالح:
يرى العميد جمال الشهيد، أن الحرب في السودان رغم فداحة الأوضاع الإنسانية، لكنها خارج دائرة الأزمات ذات الأولوية القصوى على الطاولة الدولية مقارنة بأوكرانيا وغزة وغيرها، معتبرا أن واحدا من عدم صدور قرار من المجتمع الدولي ضد مليشيات الدعم السريع، هو وجود تضارب مصالح حقيقي في الدول العظمى فيما يعلق بأزمة السودان، حيث ترى بعض الدول أن الدعم السريع لاعبا يمكن استثماره أو التفاوض معه وبالتالي لا ترغب في إغلاق الباب أمامه بإجراءات رادعة، وقوى أخرى تنظر للأزمة السياسية من زاوية جيو سياسية، مثلا الوضع في البحر الأحمر، الهجرة، ما يجعل التوازن بين مصالحها الإنسانية والأمنية مختلا، وهو ما يعيق لحد كبير في صدور قرار أممي.
قصور سوداني:
يرى أستاذ العلوم السياسية دكتور محمد عمر، أن الحكومة السودانية تتحمل الجزء الأكبر من عدم صدور قرار من مجلس الأمن الدولي بشأن انتهاكات المليشيا، معتبرا أن الحكومة لم تتعامل بمهنية مع الانتهاكات ولم تستثمر الوضع الإنساني المعقد الذي خلفته مليشيا الدعم السريع، كما أنها تحركت متأخرا وبشكل خجول، لافتا إلى أن وصول بعض الانتهاكات للمؤسسات الدولية كان عبر تقارير لكبريات الصحف العالمية وليس من وزارة العدل أو الخارجية، التي تم تغييب وزيرها الأول في ظرف السودان أحوج ما يكون فيه لوزير ووزارة خارجية نشطة وفاعلة تخاطب العالم بالمستندات والوثائق.
العميد جمال الشهيد، يوافق دكتور محمد عمر تماما، ويضيف أن السودان كدولة وجيش ومؤسسات يتحمل بدوره نصيبا من هذه المسؤولية، وقال إن الحكومة افتقرت للخطاب الدبلوماسي المنظم طيلة فترة الحرب، ولم تستثمر الأزمة بما يكفي لتشكيل لوبيات قوية، بجانب غياب جبهة سياسية موحدة تساهم في تحويل الإدانات الدولية إلى قرارات تنفيذية.
أيضا، يعيب العميد الشهيد، على الحكومة، تأخرها في التوثيق الرسمي، مشيرا إلى أن كثير من الانتهاكات لا تصل في شكل ملفات قانونية مكتملة للمؤسسات الدولية بل تصل عبر تقارير منظمات أممية مستقلة، ما أضعف الموقف الرسمي للسودان.
وأضاف بشكل عام في قصور مزدوج من جهة المؤسسات الدولية بسبب تركيبتها البنيوية ومن جهة أخرى فالسودان لم ينجح في تفعيل أدواته السياسية والدبلوماسية لتحويل الادانات لعقوبات واسعة.
ما هو المطلوب:
المؤكد، أن الإدانات الدولية للمليشيا تمثل نصرا معنويا للسودان، لكنه غير كافي، ما يتطلب بحسب مراقبين، التحرك السوداني بصورة ممنهجة لتحويل الدعم الدولي المعنوي هذا إلى دعم مادي.
وهنا يرى جمال الشهيد، ضرورة أن يتبنى السودان استراتيجية دبلوماسية نشطة عبر فريق وطني محترف للتواصل مع مجلس الأمن والاتحادين الأوروبي والافريقي وباقي المؤسسات الدولية، وأن يكون بحوزته توثيق قانوني منهجي عبر ملفات متكاملة ترفع للجنائية أو مجلس الأمن وتبنى هذه الملفات على شهادات لا تقبل الجدل.