لقطع الطريق أمام أبو ظبي.. تحركات سودانية جديدة لتجفيف منابع المرتزقة
تقرير- الطيب عباس:
اتخذت الحكومة السودانية، خطوة جرئية لمنع تدفق المرتزقة على دارفور، في محاولة لنزع سلاح أبو ظبي، الذي تغذي به الحرب في السودان عبر استئجار مرتزقة للقتال بجانب مليشيات الدعم السريع.
التحركات السودانية بدأت بعرض الحقائق أمام مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي، ونجحت لحد كبير بحسب مراقبين في انتزاع إدانة دولية لمليشيات الدعم السريع والمرتزقة الذين يقاتلون معها.
لكن خلال الأسبوعين الماضيين قررت الحكومة السودانية مخاطبة دول المرتزقة مباشرة، وابتدرت بخطاب تاريخي لرئيس الوزراء كامل إدريس تلاه باللغة الإسبانية موجها حديثه للحكومة والشعب الكولومبي، وحسب متابعات “أصداء سودانية” فإن الخطاب الذي تم بثه في أكثر من خمسة قنوات كولومبية ولد ردة فعل شعبية كبيرة وفتح نافذة لإلقاء الضوء على هذا الملف، ما دفع الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو، للتعليق على خطاب كامل إدريس، مقدما اعتذاره للسودانيين، وأعلن عن دعوته البرلمان الكولومبي للانعقاد بهدف سن قانون يمنع الارتزاق.
لقاءات مشتركة:

التحرك السوداني في ملف المرتزقة الكولومبيين المستأجرين من قبل أبو ظبي، بدأ منذ أواخر العام الماضي، حيث عثر الجيش السوداني على جثث مرتزقة كولومبيين تم قصف قافلتهم خلال دخولهم الأراضي السودانية عبر ليبيا، وتم عرض الصور والفيديوهات والأوراق الرسمية التي تخصهم لأجهزة الإعلام.
التطورات هذه دفعت سفيرة كولومبيا في مصر، آن ميلينيا، في ديسمبر من العام الماضي، للقاء سفير السودان في القاهرة، عماد الدين مصطفى عدوي، وقدمت اعتذارا رسميا عن مشاركة مواطنين كولومبيين كمرتزقة في صفوف مليشيا الدعم السريع.
وأوضحت ميلينيا أن الحكومة والشعب الكولومبيين فوجئوا جدا عند تلقيهم أخبار تورط مواطنين من بلادهم في الصراع السوداني، ووصفوا هذا السلوك بأنه غير مسؤول وأنه لا يمثل سياسة الحكومة الكولومبية أو الشعب الكولومبي.
وأكدت ميلينيا أن كولومبيا تحترم سيادة السودان ورفضت أي تدخل في شؤونه الداخلية، مشددة على أن حكومتها ستبذل جهدها لتحديد المسؤولين المعنيين ومحاسبتهم إذا لزم الأمر.
اللقاء نفسه تجدد بين السفيرة الكولومبية والسفير السوداني في الحادي والعشرين من أغسطس المنصرم بالقاهرة، وذلك بعد يومين من إعلان الحكومة السودانية مقتل 40 مرتزق كولومبي في معارك الفاشر.
وعبرت السفيرة الكولومبية بالقاهرة، خلال لقائها السفير السوداني عماد عدوي، عن تضامن بلادها الكامل مع السودان حكومةً وشعباً، وأكدت تقدير بلادها لتلك العلاقة والرغبة في تطويرها وتوسيع مسارات التعاون لتشمل مجالات الزراعة والتعدين، مشددة على ضرورة التعاون والتنسيق المستمر في كل ما من شأنه تعزيز واستدامة الأمن والسلم الدوليين. وأكدت السفيرة أن وجود مواطنين من بلادها يقاتلون في السودان تصرفات فردية، مؤكدة أن بلادها تعمل على تجفيف هذه الظاهرة عبر سن قوانين رادعة.
تطورات جديدة:
التحركات السودانية لم تتوقف عند هذا الحد، حيث التقى الجمعة الماضية، القائم بأعمال السفارة السودانية بنيروبي، محمد عثمان عكاشة، سفير جمهورية كولومبيا لدى جمهورية كينيا، بيدرو ليون كورتيس، وبحث معه سبل إنهاء مشاركة المرتزقة الكولومبيين في الحرب ضد الشعب السوداني، بحسب وكالة السودان للأنباء.
وتناول اللقاء موضوع مشاركة بعض المرتزقة من الجنسية الكولومبية في القتال إلى جانب مليشيا الدعم السريع في الحرب الدائرة ضد الشعب السوداني.
وأوضح عكاشة للسفير الكولومبي، أن سلطة أبو ظبي تعد الراعي الرئيس لهذه المليشيا، حيث تقدم لها أشكالًا متعددة من الدعم العسكري والمالي والسياسي، بما في ذلك استقدام مرتزقة من عدة دول، من بينها كولومبيا، للانخراط في أنشطة تهدد أمن السودان وسلامة مواطنيه، مستشهداً بالعديد من الأدلة الدامغة التي تحصلت عليها القوات المسلحة السودانية، بالإضافة إلى التقارير الاستقصائية التي نشرتها الصحافة العالمية والقنوات الفضائية، وجميعها يؤكد أن سلطة أبو ظبي عبر واجهاتها هي من جندت أولئك المرتزقة.
من جانبه، عبّر السفير بيدرو ليون كورتيس عن أسفه العميق إزاء هذه الممارسات، مؤكداً أن الحكومة والشعب الكولومبي لا صلة لهم بها، موضحاً أن الأمر يقتصر على مجموعة من العسكريين السابقين الذين استغلت بعض الجهات حاجتهم وأغرتهم بالمال.
كما أشار إلى أن الرئيس غوستافو بترو، بالتنسيق مع المؤسسات المعنية في الحكومة الكولومبية، قد اتخذ جملة من التدابير لمعالجة هذه الظاهرة، شملت الدفع نحو إقرار تشريع برلماني يجرّم الشركات والأفراد المتورطين في أنشطة تجنيد المرتزقة، فضلاً عن إطلاق حملة وطنية للتوعية بمخاطر هذه الممارسات على المجتمع الكولومبي.
جدوى التحركات:
يعتبر مراقبون، أن تحركات الحكومة السودانية ومخاطبتها مباشرة الداخل الكولومبي، ستحدث فرقا كبيرا، وستعيق لحد كبير تدفق المرتزقة.
وقال أستاذ العلوم السياسية بالجامعات السودانية، دكتور محمد عمر، إن التحركات السودانية مؤخرا ستشكل ضغوطا على الحكومة الكولومبية، التي تملك من الأدوات ما يجعلها قادرة على وقف هذه الأعمال الشائنة، كما أن السودان نجح في خلق رأي عام داخل كولومبيا من شأنه أن يعزز من تدخل الأسر في منع أبنائها من الانخراط في طريق الارتزاق.
وأوضح عمر، أن الحكومة الكولومبية تعلم أن هؤلاء المرتزقة يتم توظيفهم من قبل شركات تتبع لأبو ظبي وبالتالي فإنها تملك حق مخاطبة الإمارات مباشرة والطلب منها إيقاف هذا المنحى.
التحركات السودانية في هذا الملف يراها مراقبون ستحرج أبو ظبي أكثر من كولومبيا التي لا تتبنى بشكل رسمي إرسال هؤلاء المرتزقة، معتبرين أن الطرق على هذا الملف سيرغم نظام أبو ظبي على التوقف خشية تلطيخ سمعته وطفحها للعلن، لكن وقف هذا الارتزاق بشكل كلي يتوقف – بحسب مراقبين – على الأرض في الميدان، حيث أن حجم الخسائر الكبير في صفوف المرتزقة سيجعل البقية يفكرون ألف مرة قبل الانخراط في هذا الطريق مهما كانت المغريات الإماراتية، مشيرين إلى أن مقتل 40 مرتزق كولومبي مؤخرا في الفاشر، هز كولومبيا بأكملها ودفع رئيسها للاستجداء بسفيرته في القاهرة لبحث إمكانية إعادة الجثث، ما يعني أن مزيد من الخسائر في صفوق هؤلاء المرتزقة سيؤدي في الأخير إلى توقفهم تماما.