آخر الأخبار

من جدة إلى تشاد… الطريق المسدود(1-2)

لمياء موسى

تحية عطرة إلى قرائي الأعزاء

*أقف اليوم معكم لأتحدث عن مبادرات السلام والوساطات الدولية التي طُرحت من أجل حل الأزمة السودانية، ولماذا انتهت جميعها إلى الفشل، رغم كثرتها وتنوّعها؟ لنلقِ نظرة سريعة على ما جرى، علّنا نفهم الواقع بعمق أكبر، فنتمكن من التعامل مع الحاضر واستشراف المستقبل.

*لا يخفى على أحد أن اندلاع الحرب في الخامس عشر من أبريل 2023 جاء نتيجة خلافات حادّة حول صلاحيات الجيش وقوات الدعم السريع، تلك الخلافات التي فجّرها الاتفاق الإطاري، والذي كان يفترض أن يمهّد الطريق نحو انتقال مدني للسلطة وإجراء انتخابات حرة. ومع تفاقم التوتر، سارعت قوى إقليمية ودولية إلى طرح مبادرات للتهدئة لتجنب الانزلاق نحو حرب أهلية شاملة، غير أنّ كل تلك المساعي تعثرت، لينفجر الصراع العسكري على نحو دموي.

*ولم يعد خافيًا على الصغير أو الكبير ما خلّفته هذه الحرب من مآسٍ ثقيلة, نزوح داخلي واسع، وانهيار في البنى التحتية، ودمار ممتد طال حياة الناس وأرزاقهم، وفقدان مئات الآلاف لوظائفهم, ومع هذا الخراب، تراجع الإنتاج الزراعي والاقتصادي، واستشرى الفساد في مختلف القطاعات، حتى ضعفت قبضة الدولة المركزية وتهاوت مؤسساتها المدنية والعسكرية على حد سواء.

*تحرّكت منظمة (الإيغاد) – التي تضم في عضويتها دول شرق أفريقيا – في يوليو 2023، حيث بلورت خطة تضمنت نزع السلاح وبدء عملية سياسية شاملة مع وقف الأعمال العدائية، غير أن هذه المحاولة باءت بالفشل بعد أن رفضتها الحكومة السودانية.

*وفي السياق نفسه، سعت القاهرة إلى جمع دول جوار السودان في قمّة انعقدت في تشاد خلال أغسطس 2023، واعتمدت القمة خطة من ثلاث نقاط أساسية. لكن هذا الجهد تعرقل بسبب غياب دعم دولي حقيقي يساند المساعي المصرية ويُنسّق بين مصالح دول الجوار.

*بعد ثلاثة أسابيع فقط من اندلاع القتال بين الجيش وقوات الدعم السريع، نجحت الوساطة السعودية – الأمريكية في جمع الطرفين بمدينة جدة، فيما عُرف بـ(إعلان جدة) وقد حازت هذه المبادرة دعمًا إقليميًا ودوليًا واسعًا، وأثمرت عن اتفاق مبدئي تضمّن سبعة بنود رئيسية، كان أبرزها: الالتزام بحماية المدنيين، تأكيد سيادة السودان ووحدته، ضمان المرور الآمن للمدنيين بعيدًا عن الأعمال العدائية، الامتناع عن تجنيد الأطفال، إجلاء الجرحى والمرضى دون تمييز، والسماح للمنظمات الإنسانية بالوصول الآمن لتقديم المساعدات، إضافة إلى الالتزام باحترام القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان.

*كان الهدف من هذا الاتفاق أن يمهّد لوقف إطلاق نار قصير الأمد لمدة أسبوع، يتيح إدخال المساعدات الإنسانية ويفتح الطريق أمام جولات جديدة من النقاش. لكن سرعان ما انهار الاتفاق بعد يوم واحد فقط من دخوله حيّز التنفيذ، إذ تصاعدت وتيرة الأعمال القتالية مجددًا، لتتبدّد آمال السلام قبل أن تبدأ خطواته الأولى.

غير أنّ اتفاق جدة لم يصمد طويلًا. *ففي 31 مايو 2023 أعلنت القوات المسلحة السودانية انسحابها من منبر جدة، مبرّرة ذلك بأن الهدنة لم تُستثمر لأغراض إنسانية كما كان الهدف، بل تحولت – بحسب روايتها – إلى فرصة لقوات الدعم السريع لإعادة تنظيم صفوفها. وبناءً على ذلك، جرى تعليق المفاوضات.

*ثم في 2 يونيو 2023، أعلنت السعودية والولايات المتحدة تعليق وساطتهما بعد رصد “انتهاكات جسيمة” للتهدئة من جانب الطرفين، ووجّهتا اتهامات صريحة بأن أفعالهما أدت إلى تفاقم معاناة الشعب السوداني وتعريض وحدة البلاد لمخاطر أكبر.

وهكذا، تكررت خيبات الأمل مع كل محاولة للسلام، فقد جاءت مبادرات السلام لتسقط الواحدة تلو الأخرى، بفعل عوامل متشابكة داخلية وإقليمية ودولية، جعلت الصراع أكثر تعقيدًا واستمرارًا، بلا توقف يلوح في الأفق.

فعلى الصعيد الداخلي، ظلّ الاحتقان متصاعدًا بين الجيش وقوات الدعم السريع، إذ رفض الجيش الاعتراف بالدعم السريع كطرف مساوٍ له على أي مائدة مفاوضات، معتبرًا أن دوره لا يتعدى كونه قوة متمرّدة. ومع مرور الوقت، تحوّل هذا التوتر إلى تحريض متبادل على القتل، بعد أن ارتكب الدعم السريع انتهاكات واسعة النطاق، وتبادل الطرفان الاتهامات بالخيانة العظمى.

*أما على المستوى الإقليمي، فقد تناقضت مصالح دول الجوار وتشابكت حساباتها، الأمر الذي مثّل عقبة رئيسية أمام أي جهد جماعي لوقف الحرب. أما الوساطات الدولية، فقد واجهت أزمة جوهرية، إذ تعاملت مع الطرفين المتحاربين على قدم المساواة، وهو ما اعتبره كثيرون إعطاء شرعية موازية لقوات الدعم السريع على حساب الدولة السودانية. وقد ظهر ذلك بوضوح في البيان الصادر عن وزارة الخارجية الأمريكية بشأن (إعلان جدة)، رغم أنه حاز دعمًا إقليميًا ودوليًا وحضر اجتماعاته الاتحاد الإفريقي.

*إلى جانب ذلك، ظلّ كل طرف يتهم الآخر بعرقلة تنفيذ بنود الاتفاقات، وبخاصة إعلان جدة، فالجيش اتهم الدعم السريع بعدم الالتزام بإخلاء منازل المواطنين والمؤسسات المدنية، فيما ردّ الأخير بأن الجيش يتنصل من المفاوضات بحجج لم ترد أصلًا في نص الإعلان. ويطالب الجيش بانسحاب شامل وكامل لقوات الدعم السريع من المدن والقرى ووقف تمددها قبل أي مفاوضات جدية، بل وأكد القائد العام للقوات المسلحة، عبد الفتاح البرهان، أنه لن يكون هناك أي تفاوض إلا بعد انسحاب الدعم السريع من المناطق التي سيطر عليها، وخروجه من المدن والقرى كافة، معتبرًا أن أي انخراط في مفاوضات جنيف مرهون بتنفيذ ما ورد في إعلان جدة.

نواصل

*كاتبة مصرية مقيمة في لندن