بعد سنوات من الترقب والإنتظار المحكمة الدستورية … عودة (حارسة) الدستور وحامية حقوق المواطنين
- قانونيون: قرار البرهان بتعيين رئيس للمحكمة الدستورية إنتصار للعدالة والديمقراطية
- دستورية قانون الطوارئ.. القوانين الجنائية.. الحق في التظاهرات أشهر القضايا التي نظرتها المحكمة
- الحكم الذي أصدرته المحكمة في عهد الإنقاذ برسم حدود لحماية الصحفيين ظل حبرا على ورق
- للمحكمة الحق في إلغاء أي تشريع يتعارض مع الدستور.. وقراراتها غير قابلة للطعن والإستئناف
تحقيق ــ التاج عثمان:
أصدر رئيس مجلس السيادة الإنتقالي (عبد الفتاح البرهان) قرارا بتعيين القاضي (وهبي محمد مختار)، رئيسا للمحكمة الدستورية والتي تعد أعلى مؤسسة قضائية في السودان بعد ان توقفت أعمالها سنينا عددا.. فمتى تم تأسيس هذه المحكمة؟..وما إختصاصاتها؟.. ومنذ متى ولماذا ظلت متوقفة عن أداء مهامها؟.. ولماذا إمتنعت حكومة حمدوك تجديد عقودات قضاتها وإختيار بديلا لهم؟.. وما التأثير القضائي والعدلي الذي تسبب فيه توقفها عن العمل؟.. (أصداء سودانية) تسلط الضوء على المحكمة الدستورية من خلال هذا التحقيق
حماية الحقوق والحريات:
تأسست المحكمة الدستورية السودانية بموجب الدستور الإنتقالي لجمهورية السودان في عهد الإنقاذ عام 2005 وذلك كجزء من الإصلاحات الدستورية التي تهدف إلى تعزيز سيادة القانون وحماية الحقوق والحريات الأساسية للمواطنين حسب ما جاء في قرار تأسيسها آنذاك.. وإعتبر كثير من القانونيين ان تأسيس المحكمة الدستورية في السودان في حد ذاته كان خطوة هامة نحو تعزيز سيادة القانون وحماية الحقوق والحريات في البلاد، بغض النظر عن التدخلات التي حدثت في عملها خلال العهد البائد.
عالميا فإن فكرة المحاكم الدستورية في العالم نشأت أولا في الولايات المتحدة الأمريكية في آواخر القرن الثامن عشر واوائل القرن التاسع عشر.. وكانت القضية الأمريكية التي إشتهرت بـقضية (ماربوري ضد ماديسون) عام 1803 نقطة تحول هامة في تطور مفهوم الرقابة الدستورية.. وكانت تلك القضية تتعلق بتعيين قضاة من جانب الرئيس الأمريكي وقتها، جون آدمز، خلال الأيام القليلة المتبقية من فترة رئاسته.. فعندما تولى، توماس جيفرسون، الرئاسة الامريكية، رفض وزير الخارجية الأمريكي، جيمس ماديسون، تسليم بعض التعيينات القضائية التي كانت قد تمت في فترة الرئيس السابق، جون آدامز، فتقدم القاضي الأمريكي، وليام ماربوري، بدعوى قضائية إلى المحكمة العليا الأمريكية لتسليم الوثائق الخاصة بتعيينه كقاضي.. ونظرت المحكمة العليا في القضية بقيادة رئيس القضاء الأمريكي، جون مارشال، والذي قال في سياق حيثياته للقضية:” ان جزءا من قانون الولايات المتحدة كان غير دستوري، مما أرسى مبدأ الرقابة القضائية.. ومن تأثيرات تلك القضية أنها أرست مبدأ الرقابة الدستورية، حيث أصبح للقضاء الأمريكي الحق في إلغاء القوانين التي يعتبرها غير دستورية، وكانت القضية حاسمة في تحديد دور القضاء في الولايات المتحدة كحارس للدستور.. وبعد نجاح مبدأ الرقابة الدستورية في الولايات المتحدة، بدأت دول أخرى في إعتماد مفهوم مماثل، حيث تأسست محكمة دستورية في النمسا عام 1920 بموجب الدستور النمساوي الجديد، وتعد من أوائل المحاكم الدستورية في أوروبا.. وبعد الحرب العالمية الثانية إنتشرت فكرة المحاكم الدستورية بشكل ملحوظ في أوروبا والعالم، حيث إعتمدت العديد من الدول محاكم دستورية لضمان حماية الدستور وحقوق الإنسان في بلدانها.
تعيين وشروط القضاة:
يتم ترشيح قضاة المحكمة الدستورية من الجهات المعنية مثل المجلس القضائي او البرلمان، ويشترط على القضاة الذين يتم إختيارهم للعمل في المحاكم الدستورية بكل العالم، ومن بينها السودان، ان يتصفوا بمجموعة من المواصفات والشروط التي تضمن كفاءاتهم وإستقلاليتهم، ومن هذه المواصفات والشروط
ــ النزاهة: فيجب ان يكون قضاة المحكمة الدستورية ذو نزاهة عالية.
ــ الإستقلالية: يجب ان يكون القضاة مستقلين ولا يخضعون لأي ضغوط سياسية او إجتماعية او عرقية.
ــ الكفاءة: يجب ان يكون قاضي المحكمة الدستورية ذو كفاءة عالية في القانون ولديه خبرة في القضايا الدستورية.
ــ الحصول على درجة عالية في القانون ويفضل ان يكونوا حاصلين على دراسات عليا في القانون الدستوري، وان يكونوا ذوي خبرة عملية كافية في القضاء او في مجال القانون، ويفضل ان يكونوا قد عملوا في مناصب قضائية او إستشارية ذات صلة، وان يكونوا على دراية جيدة بالقانون الدستوري السوداني وبالمعايير الدولية لحقوق الإنسان.
وعدد أعضاء المحكمة الدستورية في السودان 9 أعضاء يتم تعيينهم من رئيس الجمهورية بناء على توصية المفوضية القومية للخدمة القضائية، وموافقة ثُلثي جميع الممثلين في مجلس الولايات.. اما رئيس المحكمة الدستورية فيتم تعيينه بواسطة رئيس الجمهورية بموافقة النائب الأول لرئيس الجمهورية، من بين القضاة التسعة المعينين.
صلاحيات المحكمة الدستورية:

الأستاذ، عثمان عبد الله هاشم عوض، يقدم لنا من خلال هذه الجزئية من التحقيق إضاءة حول صلاحيات المحكمة الدستورية السودانية، بقوله: تعمل المحاكم الدستورية بصفة عامة على حماية الدستور وضمان تطبيق القوانين بشكل يتوافق مع الأحكام الدستورية.. وتلعب دورا حاسما في حل النزاعات الدستورية بين مختلف السلطات والمؤسسات الحكومية، وتساهم في تعزيز سيادة القانون وحماية الحقوق والحريات الأساسية للمواطنين.. ومن خلال ذلك أصبحت المحاكم الدستورية في العالم جزءا أساسيا من الأنظمة القضائية في العديد من الدول حول العالم.
ومن أبرز وأهم صلاحيات المحكمة الدستورية الرئيسية في السودان حماية الدستور بمسؤوليتها عن تفسير الدستور وضمان تطبيق أحكامه من جانب السلطات العامة.. ومن صلاحياتها الرقابة على دستورية القوانين، حيث تنظر في دستورية القوانين واللوائح، ويحق لها إلغاء أي تشريع يتعارض مع الدستور.. بجانب حل النزاعات الدستورية بين مختلف السلطات والمؤسسات الحكومية وحماية الحقوق والحريات الأساسية للمواطنين، وضمان تطبيق القوانين بشكل عادل،علما ان القرارات التي تصدرها المحكمة الدستورية نهائية غير قابلة للطعن والإستئناف.
أشهر القضايا الدستورية:
مصدر سابق بالمحكمة الدستورية طلبت منه تقديم أهم وأشهر القضايا التي نظرتها المحكمة الدستورية السودانية منذ إنشائها في العام 2005 فأشار وحتى توقفها قبل 6 سنوات، منها على سبيل المثال:
ــ قضية دستورية قانون الطوارئ.. حيث قام برفع هذه القضية عدد من المحامين السودانيين وهي تتعلق بدستور قانون الطوارئ الذي تم تطبيقه في السودان خلال عهد الإنقاذ، وناقشت المحكمة الدستورية مدى توافق قانون الطوارئ مع الدستور، خاصة فيما يتعلق بالقيود التي فرضها قانون الطوارئ على الحريات العامة.. وكان للحكم تأثير كبير على كيفية تطبيق قوانين الطوارئ في السودان في المستقبل.
ــ قضية حرية التعبير: نظرت المحكمة الدستورية السودانية في السابق في قضايا تتعلق بحرية التعبير، خاصة فيما يتعلق بالرقابة على الصحف والمطبوعات، من جانب عدد من الصحفيين والقانونيين، ولقد أشاروا في دعواهم تلك إلى عدم دستورية القوانين التي تنظم حرية التعبير.. وأصدرت المحكمة أحكامها في ذلك الشأن موضحة وراسمة حدود حرية التعبير وحماية الصحفيين والكتاب.. ولكن ذلك الحكم الذي أصدرته المحكمة إبان عهد الإنقاذ ظل حبرا على ورق.
ــ قضية الحق في التجمع والتظاهرات السلمية، حيث نظرت المحكمة الدستورية في بعض القضايا المرفوعة من بعض الناشطين السياسيين والقانونيين السودانيين تتعلق بالحق في التجمع السلمي وتنظيم المظاهرات.. وناقشت المحكمة مدى دستورية القوانين المتعلقة بالقضيتين المذكورتين موضوع الشكوى، وأصدرت حكمها بأن منع التظاهرات والتجمعات السلمية يعتبر ضد الدستور.. وكان لذلك الحكم تأثير على كيفية تنظيم وتطبيق القوانين المتعلقة بالتجمعات السلمية، لكنه في النهاية ظل أيضا حبرا على ورق، ولم تأبه أجهزة العهد البائد الأمنية لحكم المحكمة الدستورية فظلت تقمع المظاهرات والتجمعات خاصة السياسية.
ــ قضية المساواة امام القانون: حيث نظرت المحكمة الدستورية في قضايا تتعلق بالمساواة امام القانون، خاصة فيما يتعلق بالتمييز على أساس الجنس او الدين او العرق، وساهمت أحكام المحكمة في هذا الجانب بتعزيز مبدأ المساواة وحماية الافراد من التمييز.
ــ قضية دستورية القوانين الجنائية: وهي من القضايا المشهورة والمهمة التي نظرتها المحكمة الدستورية، حيث تسلمت بعض القضايا من قانونيين يتعلق بدستورية بعض القوانين الجنائية، مثل قوانين الإعدام، والعقوبات الجسدية (الجلد).. وأشارت المحكمة في حكمها إلى عدم توافق هذه القوانين التي إستنتها حكومة الإنقاذ مع الدستور ومع معايير حقوق الإنسان الدولية.
عموما، نماذج تلك القضايا التي نظرت فيها المحكمة الدستورية والمتعلقة في معظمها بحماية الحقوق والحريات وضمان تطبيق الدستور بشكل عادل، أظهرت أهمية المحكمة الدستورية في حماية الحقوق والحريات وضمان تطبيق الدستور بشكل عادل بغض النظر عن خضوع السلطة الحاكمة تنفيذها او تجاهلها..