آخر الأخبار

تسليح المجتمعات … أخطر ثلاث دراسات

  • (جولي فلينت) و(باغو سالمون ) كتبا الدراسات ولكن يبدو أن صناع القرار وقتها لم ينتبهوا حتى وقعت (الكارثة)
  • لنهاية التمرد شواهد كثيرة آخرها ماحدث السبت الماضي(أداء القسم)
  • بدأ واضحا أن (البرهان) سيظل صامدا حتى يرى مليشيا الدعم السريع قد أصبحت (أثرا بعد عين)

تقرير- دكتور إبراهيم حسن ذوالنون:
مشروع جمع الأسلحة الصغيرة يمثل واحدا من أهم المشروعات التي ظل ينفذها معهد الدراسات العليا للدراسات الدولية بسويسرا, وتقوم وزارة الشئون الخارجية الفيدرالية السويسرية بدعمه, حيث انطلق هذا المشروع في العام 1999م وقد دعمته بعض الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية وكندا علاوة على بعض وكالات الأمم المتحدة وبرامجها العاملة في هذا المجال.
وتتمثل أهداف مشروع الأسلحة الصغيرة في أن يكون مصدرا أساسيا عاما لجميع الجوانب المتصلة بالأسلحة الصغيرة والعنف المسلح وان يكون مركزا مرجعيا للحكومات وصناع السياسات والباحثين والناشطين أن يرصد المبادرات الوطنية والدولية(حكومية وغير حكومية) المعنية بالأسلحة الصغيرة وان يدعم مساعي معالجة تأثيرات انتشار الأسلحة الصغيرة وإساءة استخدامها وان يعمل على أن يكون مركز تبادل المعلومات بحيث يتم تشارك المعلومات مع الجهات ذات الصلة بفض النزاعات وتسوية تأثيراتها بالكيفية التي تجنب مخاطر التسليح وأثاره.
ثلاث دراسات مهمة:


وخلال فترة العشرية الأولى من الألفية الثالثة أنجز المشروع دراسات كثيرة كلها تصب في مشروعه الاستراتيجي وهو(جمع الأسلحة الصغيرة) من بؤر ومناطق النزاعات في العالم وخاصة افريقيا, حيث حظي السودان بثلاث دراسات هي (ثورة المنظمات شبه العسكرية – قوات الدفاع الشعبي) وهذه أعدها في العام2007م الباحث باغو سالمون وهو حقل بحثه الأساسي علم الاجتماع للنزاع المسلح وحالات الطوارئ المعقدة.
وقد نال درجة الدكتوراة من جامعة همبولدت ببرلين والتي عمل فيها باحثا مشاركا في وحدة البحث الخاصة ب (السياسة المجهرية للمجموعات المسلحة)التابعة للجامعة كما نال درجة الماجستير في الدراسات الشرق أوسطية من جامعة لندن كما اجرى بحوثا في مصر ولبنان واليمن والسودان, وقد عمل منذ العام 2006م مستشارا لمنظمات غير حكومية ووكالات الأمم المتحدة بالسودان.
والدراسة الثانية والثالثة (ما بعد الجنجويد – فهم مليشيات دارفور- يونيو 2009م) و(الحرب اﻻخرى-الصراع العربي الداخلي في دارفور اكتوبر 2010م), حيث أعدت الدراستين (جولي فلينت) وهي صحفية وباحثة في الشئون السودانية ومهتمة بقضايا الحرب والسلام في السودان حيث عملت مستشارة في نزاع دارفور أثناء مفاوضات أبوجا بين الحكومة السودانية وحركات دارفور لمنظمات عالمية وجماعات حقوق إنسان حيث حضرت أربع جلسات المباحثات بين سنتي 2004م و2006م وعلاوة على الدراستين ألفت بالاشتراك مع الكس دي وال (دارفور تاريخ جديد لحرب طويلة) و(دارفور والبحث عن السلام) حيث نشرت فيه فصلا عن الحركات المتمردة في دارفور.
تأثيرات أخطاء تسليح المجتمعات:
وقد مول مشروع الأسلحة الصغيرة الدراسات الثلاث وأتاح للباحثين فرصة الحصول على المصادر الخاصة لهذه الدراسات علاوة على المصادر المفتوحة, فضلا عن مدهما بمجموعة من الخرائط والمعلومات النادرة حول موضوع الدراسات الثلاث والتي تعتبر الأخطر في مجال (أخطاء تسليح المجتمعات) وهي دراسات يبدو أن صناع القرار وقت صدورها لم يعيروها الاهتمام اللازم برغم أن الأجهزة المتخصصة بهذا النوع من الدراسات في تقديري تكون قد قدمت لهم تفاصيل كثيرة حولها وإلى أن وقعت الكارثة والمتمثلة في هذا الحرب الماثلة.
وقد ركزت الدراسات الثلاث على المخاطر المحتملة لأخطاء تسليح المجتمعات, وتجدر الملاحظة أن بين لهذه الدراسات حالة من الترابط العضوي ففكرة المنظمات شبه العسكرية والتي أهم مثال لها هو الدفاع الشعبي قد تولدت منها فكرة الجنجويد والتي عاونت مليشياتها الحكومة السودانية وقتها في كسر شوكة التمرد ولكن كانت عاقبة ذلك وآثار ذلك اسوأ بكثير, حيث أسهمت تجاوزات تلك المليشيات في إدخال السودان وقياداته وقتها ساحات القضاء الجنائي الدولي (المحكمة الجنائية الدولية) ثم تمكنت هذه المليشيات من تمكين نفسها وتماهت مع نظام الإنقاذ إلى أن أوجدت لنفسها متكلا فيه جعلها تفضي على نفسها مشروعية وتم تقنين وضعها في قانون الدعم السريع لسنة 2017م والذي أجازه المجلس الوطني, وبعد ثورة ديسمبر 2018م وجد قائد المليشيا ضالته في حالة السيولة الأمنية والسياسية والاقتصادية وتنفذ إلى أن حاول الاستيلاء على السلطة بالقوة عبر الحرب الماثلة الآن, وفي الدراسة الثالثة (الحرب الاخرى – الصراع العربي الداخلي في دارفور) قد اظهرت النتائج التي توصلت من خلال سنوات التمرد في دارفور ملامح الصراع العربي الداخلي بشكل واضح حيث شهدت مدن وحاضر بوادي وقرى دارفور صراعات المجموعات السكانية بشكل دامي في ما بينها بلا استثناء, الرزيقات مع المسيرية والهبانية والبني هلبة والتعايشة والفلاتة والسلامات والقمر والترجم, حيث ازدحمت ارقام القتلى والجرحى والمعاقين في تلك النزاعات الوسائط الإعلامية والمنصات الحقوقية والقانونية المختلفة وهذا ما نبهت إليه تلك الدراسة, والآن في الحرب الماثلة لاحظنا بشكل لافت حالة المغابن التي ظهرت بين مليشيا الدعم السريع ليس بين منظومة القبائل العربية فحسب بل حتى داخل الحاضنة الرئيسة لها (قبيلة الرزيقات),ولعل أحداث هذا الأسبوع تكشف بجلاء ما يحدث من صراعات داخل المفاصل الرئيسية للمليشيا نفسها (ما قاله المتمرد سافنا) في تمرده الأخير حيث قامت استخبارات المليشيا بحملة اعتقالات واسعة بدارفور و كردفان لكل من شكت في ولائه ل (السافنا) أو حتى خشم بيته(المحاميد) أما ما قاله (ياجوج وماجوج) وماحدث من تأثيرات وردود أفعال داخل المليشيا ومنظومة القبائل العربية نفسها فإنه يكفي لوصف حالة الاختلالات الواضحة داخل بنية المليشيا نفسها, أما ماحدث داخل منزل ناظر عموم الرزيقات بمدينة الضعين حاضرة ولاية شرق دارفور خلال الأسابيع الماضية يكشف بجلاء عمق الأزمة التي دخلت فيها المليشيا والتي ربما أدخلت كل الحزام العربي في دارفور وكردفان في مقبل الأيام, ولعل الكلمات التي قالها الدكتور الوليد آدم مأدبو (سليل بيت نظارة الرزيقات وابن أخ الناظر الحالي) والتي صرح بها في الأيام الأولى للحرب (لم ينتبه الناشطون من أبناء الحزام الرعوي والمتحمسون لدعاوي القائد إلا أنه بتصرفاته الخرقاء قد أدخل الحزام الرعوي برمته في أزمة وجودية إذ لم يحدث أن اعتدت أي الحركات الثائرة على المواطنين بهذه الطريقة طيلة الستة عقود الماضية (راجع المقال في سودان نايل 16يونيو 2023م).
أداء القسم نهاية التمرد:


أداء المتمرد محمد حمدان دقلو (حميدتي) لقسم المجلس التأسيسي لحكومته الموازية يعني نهاية التمرد والتي لم تجد لا قبول داخل حواضن المليشيا نفسها ولا إعتراف من الدول الأخرى والمنظمات الإقليمية والدولية, وواضح من واقعة أداء القسم أن المليشيا تريد أن ترمي بإكمال جرائمها التي ارتكبتها خلال الحرب الماثلة على شركائها الآخرين حتى تستطيع رسم صورة ذهنية جديدة لدي المجتمع الدولي والإقليمي ولكن هيهات, ولكن لابد للحكومة السودانية أن تستمر في اجتثاث التمرد من جذوره ولعل في صمود القوات المسلحة والمساندين لها يشير إلى أن الجميع يريدون للمليشيا المتمردة أن تكون (أثرا بعد عين) وهذا ما قصده الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة والقائد العام لقوات الشعب المسلحة في مئوية الجيش السوداني وسبعينية سودنته.