جبل مرة … تفاصيل كارثة
- ترسين.. حسناء القرى السودانية تتحول إلى مقبرة جماعية
- الأحد الأسود يرسم علامات الحزن والآسى في نفوس كل الشعب السوداني
- كيف نجا الشخص الوحيد من سكان القرية من مطحنة الصخور؟
تقرير ــ التاج عثمان:
الإنزلاق الأرضي بجبل مرة الأحد الماضي والذي تسبب في دفن قرية كاملة تحت الصخور أثار ورسم موجة من الاسى والحزن في نفوس كل السودانيين بمختلف أنحاء البلاد..(أصداء سودانية) تحصلت على معلومات جديدة وتكشف من خلال هذا التقرير التفاصيل الكاملة لهذه الكارثة الطبيعية التي لم يشهد السودان مثيلا لها من قبل.
حسناء جبل مرة:

(ترسين) تعد حسناء جبل مرة بحق وحقيقة، تقع بولاية غرب دارفور بإقليم دارفور، (ترسين) قرية وادعة تقع وسط جبل مرة ترقد بدلال على سفح منبسط تكسوه خضرة يانعة من الحشائش دائمة الخضرة، وحولها بعض قمم جبل مره.. كنت من المحظوظين بزيارتها في مهمة صحفية إنطلقت من نيالا حتى الجبل وكنت في طريقي لمنطقة (نيرتتي) إلا أننا عرجنا لقرية (ترسين) حيث أجبرنا جمالها وطبيعتها الآخاذة على التوقف بها، تحيط بها وداخل منازلها أشجار البرتقال والقريب فروت والليمون كبير الحجم والتفاح والعنب وأشجار الصنوبر.. لم يكن أحد من سكان القرية الجميلة الذين يخلدون للنوم باكرا عقب صلاة العشاء مباشرة أن قريتهم التي أحبوها وأحبتهم سوف تتحول بعد ساعات قليلة لمقبرة كبيرة لهم.
عندما تغضب الطبيعة:
شهدت منطقة وسط جبل مرة أمطارا غزيرة هذا العام، فقد ظلت تتساقط خلال الإسبوع الأخير من شهر أغسطس المنصرم بمعدلات لم تشهدها المنطقة من قبل، وإستمرت في الهطول لأكثر من ثلاثة ايام.. مساء الأحد الماضي الموافق 31 أغسطس، شهد فصلا مأساويا من غضب الطبيعة، فبينما كان سكان القرية البالغ عدد سكانها 1000 نسمة يغطون في سبات عميق، فجأة وبدون مقدمات تساقطت مئات الكتل الصخرية من فوق إحدى القمم الجبلية المطلة على القرية، وهو ما يعرف بـ(الإنزلاق الأرضي).. مئات الصخور مختلفة الأحجام تدحرجت بسرعة كبيرة نحو القرية يصاحبها أطنان من الطين وغطت القرية في سويعات لدرجة لم يستطع سكانها الفرار من جبروت الطبيعة وتمردها.. وبعد ان توقفت الصخور بدأت تتكشف ملامح المأساة الإنسانية الموجعة والمؤلمة، للأسف قرية (ترسين) لم ينجو منها أحد.. تم دفن القرية تحت الصخور بالكامل، بمنازلها، ورجالها ونسائها وأطفالها، حتى الأنعام من الماعز والدجاج لم تنجو من الكارثة الطبيعية، دفنت أسفل الصخور هي الأخرى.. وحسب إفادات بعص سكان المنطقة فإن سكان القرى الأخرى سارعوا للقرية لكنهم لم يعثروا عليها بعد ان تحولت لأكوام من الصخور والطين فوقفوا مكتوفي الأيدي.. وحسب المعلومات التي تحصلت عليها الصحيفة، هناك شخص واحد من سكان القرية نجا من (مطحنة الصخور)، حيث إتضح انه يسكن في أطراف القرية فلم يصله من صخور الجبل شيئا.. مصدر طبي يشكك انه حتى لو تم إحضار آليات لإزاحة الصخور من فوق سكان القرية فلن يعثر على ناجين على قيد الحياة، نظرا لحجم الصخور الكبيرة التي تساقطت على القرية من الجبل ودفنتها بالكامل، ويرجح البعض ان تتحول القرية المنكوبة لمقبرة نهائية لكل سكانها.
إنزلاق عام 2018
حوادث الإنزلاقات الأرضية غير معروفة لدينا في السودان حتى في المناطق الجبلية، فآخر حادثة مماثلة حدثت عام 2018 بجبل مرة راح ضحيتها أكثر من 60 شخصا.. اما عالميا فأكبر إنزلاق أرضي في العالم حدث في بيرو عام 1970 تسبب في مقتل 100 ألف شخص.. يليه إنزلاق جبل (هواشيبان) في بيرو عام 1970 قتل فيه 70 ألف شخص.. وإنزلاق في جبل (فالتوريا) بايطاليا عام 1963 قتل فيه 2000 شخص.. وإنزلاق أرضي بـ(ميانمار) عام 2015 أدى لمقتل 100 شخص.. وفي الصين قتل 1700 شخص جراء إنزلاق أرضي عام 2010 .. وهناك إنزلاق جبل (كاياش)في الفلبين عام 2006 وراح ضحيته أكثر من 1600 شخص.. وإنزلاق أرضي بجبل (تاكوما) بامريكا عام 2014 تسبب في مصرع 43 شخصا.
وكما أشار أحد الجيولوجيين فإن الإنهيارات الكثيرة التي تشهدها مناجم الذهب في السودان لا تصنف ضمن الإنهيارات الأرضية الطبيعية، لكونها تحدث بسبب الإهمال البشري في تطبيق معايير السلامة، او لسوء إدارة المناجم العشوائية.
أسباب الإنزلاق الأرضي:
ولكن، ما أسباب سقوط كل تلك الصخور كبيرة الحجم من جبل مرة لتطمر كل قرية (ترسين) المنكوبة؟..الخبير البيئي، د. عماد الدين بشير آدم، يفسر ذلك بقوله: الإنزلاق الأرضي بجبل مرة الأحد الماضي ودفن كل قرية (ترسين) تحت صخوره يعزى للأمطار الغزيرة غير المسبوقة التي شهدتها منطقة جبل مرة، خاصة منطقة وسط الجبل حيث تقع القرية المنكوبة.. فالأمطار التي إستمرت لأكثر من ثلاثة أيام متواصلة تسببت في ثقل الصخور البركانية التي يتكون منها جبل مرة، بجانب تكوين طبقة طينية ثقيلة ولزجة من التي كانت بين وفوق الصخور وحولها وبالتالي ضغطت بدورها على صخور الجبل غير الثابتة فتحركت في سرعة فائقة من مكانها للأسفل لتهوي على قرية (ترسين) وتغطيها بالكامل، بدليل عدم نجاة أحد من سكانها البالغ عددهم 1000 نسمة.. ومن الأثار البيئية المتوقعة للإنزلاق الأرضي الأخير بجبل مرة إحتمال دمار البيئة الطبيعية، بتدمير النظم الإيكولوجية والموائل الطبيعية للأحياء البرية التي يذخر بها جبل مرة، مما يؤثر على التنوع البيولوجي في المنطقة.. بجانب إحتمال تلوث المياه الجوفية والسطحية، وفقدان الأراضي الخصبة، وبالتالي تقليص المساحات الزراعية والإنتاج الغذائي، وبالطبع على قائمة أثار الإنزلاق الأرضي الأخير بجبل مرة فقدان الأرواح كما حدث بجبل مرة.. نسأل الله الرحمة لشهداء قرية (ترسين).
الجبل البركاني:
معلوم ان جبل مرة جبل بركاني يقع في ولاية غرب دارفور بإقليم دارفور.. يبلغ إرتفاعه 10 ألف قدم فوق مستوى سطح البحر.. ويتكون من سلسلة من المرتفعات بطول 240 كلم وعرض 80 كلم، تتخللها شلالات وبحيرات بركانية.. ويمتد الجبل مئات الأميال من مدينة كاس جنوبا، إلى ضواحي مدينة الفاشر شمالا.. ويغطي مساحة 12 ألف و800 كلك.. ويتمتع الجبل بطقس معتدل رائع شبيه بمناخ البحر الأبيض المتوسط، وتهطل فيه الأمطار طيلة العام بكل فصول السنة.. ويذخر الجبل بالعديد من أنواع النباتات النادرة والتي ينفرد بها عالميا، بجانب مجموعة كبيرة من الحيوانات الوحشية خاصة الغزلان بأنواعها المختلفة.. وسكان الجبل عموما من قبائل الفور.. لا يسعني في الختام سوى الترحم على سكان قرية (ترسين)، حسناء القرى السودانية، والتي زرتها في فترة سابقة، ولا يزال جمالها الطبيعي الآخاذ، وطيبة أهلها وعفويتهم ترتسم بذاكرتي حتى اليوم.