
سدُّ النّهْضةْ.. قنابل مائية موقوتة
بُعْدٌ .. و .. مسَافَة
مصطفى أبوالعزائم
*رسمياً تم إفتتاح سد النهضة الأثيوبي بحضور عدد من رؤساء دول الجوار الإثيوبي، ودول المنطقة، مع غياب لدولتي المجرى والمصب، السودان ومصر، وهذا يعيد إلى الأذهان خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عندما أراد إعادة إنتخابه رئيساً للولايات المتحده الأمريكية، في دورة رئاسية ثانية مرشحاً عن الحزب الجمهوري ، فقد أشعل خطابه ذاك ، نار التوترات داخل البيت الأبيض عندما تحدّث عن سدّ النهضة الأثيوبي ، وموقفه وموقف بلاده حول السدّ ورسالته التهديديّة الواضحة لإثيوبيا ، التي إتهمها بعدم الإلتزام بما تم الإتفاق عليه ، وكان قد قال في معرض حديثه عن الإتفاق على تطبيع العلاقات بين السُّودان وإسرائيل ، قال إنه شخصياً من وضع صيغة الإتفاق التوافقي بين إثيوبيا من جانب ، وبين السُّودان ومصر من جانب آخر.
*ترامب سبق أن إمتنع عن تقديم العون لإثيوبيا وقطع ما كانت تقدّمه بلاده من مساعدات سنوية لها، وهو سيؤثّر حتماً على هذه الدّولة المًثْقلَة بهموم أكثر من مائة وعشرين مليون مواطن هم عدد سكانها ، وخطابه الأخير حمل تهديداً مبطّناً بأن سّد النهضة معرّض بالفعل للنسف والتدمير، إذا قال ترامب إن مصر أبلغته بذلك من قبل في حال مضي إثيوبيا في بناء السّدّ دون إتفاق مع دولتي مجرى النهر أو دولتي المصب السُّودان ومصر.
*إثيوبيا تحركت بالسّرعة المتوقّعة في ذلك الوقت ، وقامت وزارة خارجيتها باستدعاء سفير واشنطن في أديس أبابا ، وأبلغته رفضها للتهديدات المبطنّة التي جاءت على لسان ترامب ، بل وسارع رئيس الوزراء الأثيوبي آنذاك بالدخول في خطّ المواجهة وقال إن بلاده لن تخضع لأي تهديد أو إبتزاز من قبل أي دولة وإنها قادرة على حماية مكاسبها ومنجزاتها لصالح الشّعب الإثيوبي، وأضاف إن بلاده لن تقبل بأن ترهن نموها وتطورها ونهضتها بإتفاقيات قديمة وقّعها المستعمرون لا أصحاب الحق ، وقال إن بلاده لن تقبل بأن يحكمها حاكم أجنبي ويملي عليها قراره.
*المفارقة إن رئيس الوزراء الإثيوبي ظلّ على الدوام يكرر إن إثيوبيا هي الدّولة الوحيدة التي لم تطأ أقدام مستعمر أرضها ، وهذا يطرح تساؤلاً حول ما احتج به من أن الاتفاقيات القديمة هي اتفاقيات استعمارية لا تعتمد الآن.
*الآن تعالوا نفترض السّيناريو الأسوأ والإحتمال الأخطر قد وقع ، وهو أن تقوم مِصرَ بتدمير سدّ النهضة ، فما الذي سيحدث (؟) ستتدفق مليارات الأمتار المكعّبة من المياه المحتجزة حالياً خلف السّد الذي تبلغ سعته ما يفوق السبعين مليار متر مكعب من المياه ، وقد بدأ بالفعل في حجز وتخزين المياه وهي لا تقل بأي حال من الأحوال حتى اليوم عن خمسة مليار متر مكعب أو تزيد.
*ستكون أول نتيجة لتدمير السّد هي تدفّق كُلّ مخزون السّد ليكتسح ويمحو ويزيل كل ما يقابله أو يعترضه على طول مجرى النّيل الأزرق من قُرىً ومًدِنٍ ومراعٍ وغابات وسهول ويغرقها تحت مياهه المندفعة سيولاً هادرة وغامرة ، وهذه المخاطر تهدد السُّودان قبل أن تهدد مصر ، ولكن تُرَى هل ستسْكُتْ إثيوبيا عن أي هجوم يتعرّض له سدّ النهضة (؟) مؤكّد أنها لن تصمُتْ بل ستردُّ رداً عنيفاً يشبه الفعل نفسه ، أولَا تقول القاعدة الطبيعية إنه لكل فِعلٍ ردّ فِعلٍ مُساوٍ له في المقدار ومعاكس له في الإتجاه (؟) ومن المؤكّد أن ردة الفعل الإثيوبية ستكون هي القيام بمهاجمة السّد العالي والعمل على تدميره ، وهنا ستكون الكارثة الأكبر التي تهدّد مِصْرَ كلها بالغرق بينما يصبح كُلّ شمال السُّودان تحت رحمة مليارات الأمتار المكعّبة التي سترتد إلى الخلف.
*لا نتمنى ذلك ، لكن كُلّ شيء وارد في ظلّ التوتّرات والطّموحات السّياسيّة ، ومع حرب المياه التي ستكون هي عنوان الحروب القادمة .. لكننا نخشى من إنفجار القنابل المائية التي لا تبقي ولا تذر .. لذلك على القيادات السّياسيّة والأمنية في الدّول الثلاث سرعة التّحرك لإحتواء حرْبٍ محتملة ، أو قل إنها باتت شبه مؤكّدة.