
لآلئ بأقلامهم (22)(لاعب الشطرنج ) للكاتب النمساوي ستيفان زفايغ (ظ)
صمت الكلام
فائزة إدريس
*انحسر عالمي في منضدة وباب وفراش وحوض وكرسي ونافذة وحائط، ليس أمامي شيء لأنظره إلا أربعة جدران والورق المثبت عليها، كل خط في نقوشه المتعرجة قد حفر في ثنايا مخي بمحفرة حديدية من كثرة التحديق.
*ثم أخيراً بدأت الاستجوابات. كان الاستدعاء يأتي فجأة دون أن ندري إذا كنا بالنهار أم بالليل. نُستدعى ويُقاد بنا عبر ممرات دون أن أعلم إلى أين، ثم ننتظر في مكان لا نعلمه، ثم فجأة نجد أنفسنا أمام منضدة يجلس حولها عدد من الرجال في زي رسمي، وعليها كوم من الأوراق؛ ملفات لا نعرف ما بداخلها، ثم تبدأ الأسئلة؛ الحقيقية والزائفة الواضحة والخادعة المقنعة والمغرضة. وخلال الإجابة تتصفح أصابع غريبة وخبيثة الورق الذي لا نعلم محتواه، وأصابع غريبة وخبيثة تكتب محاضر تحقيق ولا نعلم ماذا كتبت.
*لكن أفظع شيء بالنسبة لي في هذه الاستجوابات كان عدم قدرتي على تخمين أو استشفاف مدى ما يعرفه رجال الجيستابو عن أعمال مكتبي، وما الذي بقى يريدون استدراجه منى كنت – كما قد أوضحت – استطعت أن أرسل الأوراق التي تدين أصحابها فى الساعة الأخيرة إلى عمي مع خادمة المنزل، لكن هل وصلته، أو لم تصله ؟ وماذا قال لهم العامل؟ كم من خطاباً وقع في أيديهم، وكم من معلومة حصلوا عليها من راهب غشيم في الأديرة الألمانية التي كنا ندير أموالها ؟
*توالت الأسئلة عليّ: عن الأوراق المالية التي اشتريتها باسم هذا الدير، المصارف التي كنت أتعامل معها، هل أعرف السيد فلان؟ هل وصلتني خطابات من سويسرا ومن ستينوكيرتسيل؟ كانت كل إجابة مسئولية رهيبة؛ وبما أنني لم أستطع قط أن أتحقق من المعلومات التي استطلعوها، فلو اعترفت بشيء لم يكونوا على علم به، أكون ربما قضيت على مستقبل إنسان بلا داع، وإذا أصرفت في الإنكار، أضررت نفسي.
*لم تكن الاستجوابات أفظع شيء، ما كان أفظع هو الرجوع بعد الاستجواب إلى فراغ الغرفة نفسها بالمنضدة نفسها والسرير نفسه والحوض نفسه وورق الحائط نفسه.
*لا أكاد أعود إلى عزلتي حتى أبدأ في استرجاع إجاباتي، التي كان ينبغي أن أرد بها وما سوف أجيبه في المرة القادمة؛ حتى أبعد الشك الذي ربما أثرته بملاحظة غير متروية. كنت أفكر وأراجع وأبحث وأدقق كل كلمة قلتها في أقوالي أمام رئيس اللجنة… (يتبع).
نهاية المداد:
الكتب هي لمن يريدون التواجد في مكان آخر.
(مارك توين)