البرهان في موسكو.. هل تقترب القاعدة الروسية من البحر الأحمر؟
تقرير- الطيب عباس:
ذكر تقرير نشرته صحيفة (إزفستيا) الروسية اليومية العريقة وواسعة الانتشار، الجمعة الماضية، أن رئيس مجلس السيادة السوداني، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، سيزور موسكو لعقد اجتماع ثنائي مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
ونقلت الصحيفة عن السفير السوداني لدى روسيا، محمد سراج، أن الزيارة ستتم قبيل انعقاد أول قمة روسية- عربية في 15 أكتوبر، مع إدراج قاعدة بحرية روسية محتملة في السودان على جدول أعمال المباحثات.
ويأتي هذا التحرك الدبلوماسي في وقت يسعى فيه السودان إلى إيجاد شركاء لإعادة الإعمار في مرحلة ما بعد الصراع، وذلك في أعقاب حرب أهلية مدمرة استمرت لعامين وحطمت اقتصاده وشردت الملايين.
حوجة متبادلة:

تعول الخرطوم على موسكو كشريك رئيسي، بناءً على تاريخ طويل من العلاقات الدبلوماسية التي تأسست عام 1956. ويتمثل أحد العناصر الرئيسية لهذا التعاون في اتفاق طويل الأمد لإنشاء منشأة دعم لوجستي للبحرية الروسية على ساحل السودان على البحر الأحمر، والتي قالت موسكو إنها ستسهم في استقرار المنطقة.
وقال غريغوري لوكيانوف، الخبير في شؤون الشرق الأوسط بجامعة HSE الروسية، للصحيفة إن الصراع قد وسّع جدول الأعمال بين البلدين، حيث أصبح الأمن الآن ذا أهمية قصوى
وأضاف لوكيانوف: إن الأهمية الاستراتيجية للسودان لم تختف، مشيراً إلى أنه بينما تظل القاعدة البحرية ذات صلة، فإن التعاون يمتد أيضاً إلى الاستثمارات الروسية المحتملة في البنية التحتية والتجارة.
ومن المقرر أن يُعقد الاجتماع بين الزعيمين على هامش القمة الروسية- العربية الافتتاحية، والتي من المتوقع أن تتناول النزاعات الإقليمية بما في ذلك الحرب في غزة وسوريا، بالإضافة إلى القضايا العالمية والتعاون الاقتصادي.
خطوة تاريخية:
قدمت روسيا في نوفمبر من العام الماضي، خطوة تاريخية كبادرة حسن نوايا عبر استخدام (الفيتو) لتعطيل قرار في مجلس الأمن الدولي يلزم الجيش السوداني بوقف القتال فورا والاتجاه للتفاوض مع مليشيات الدعم السريع، ووصف مراقبون وقتها الفيتو الروسي بالتاريخي لكونه أستخدم لصالح السودان لأول مرة منذ إنشاء مجلس الأمن الدولي.
منذ ذلك التاريخ بدأت العلاقات السودانية الروسية في تطور مضطرد، حتى تكللت بالتطور المؤهل والذي تمثل في إعلان الدولتين، اتفاقهما في سبتمبر الماضي على تأسيس شراكة استراتيجية شاملة بين البلدين، تتضمن فتح جميع المجالات الاستثمارية في السودان أمام الجانب الروسي، مع التركيز على الاستفادة من الخبرات الروسية في مجالات المعادن، والطاقة، والنفط، والبنية التحتية.
وشهدت العاصمة الروسية موسكو، في الشهر نفسه، ختام أعمال اللجنة الوزارية المشتركة بين الجانبين، والتي توجت بتوقيع مذكرتي تفاهم، شملت مجالات النقل والبنية التحتية، بالإضافة إلى البنوك والمصارف، بحسب ما ورد في بيان صادر عن الجانب السوداني.
ويُعد الاتفاق بحسب مراقبين، خطوة جديدة نحو توسيع التعاون الاقتصادي بين السودان وروسيا، في ظل مساعٍ سودانية لجذب استثمارات نوعية تساهم في دعم الاقتصاد الوطني، لا سيما في القطاعات الحيوية التي يمتلك فيها الجانب الروسي خبرات فنية وتقنية متقدمة.
القاعدة الروسية:

رغم أن الحديث عن القاعدة الروسية في البحر الأحمر، تم بحثه بين السودان وروسيا منذ حكومة الرئيس السابق عمر البشير، لكن في كل مرة كانت الدولتين تقتربان من التفاهمات النهائية بشأنه، ثم يتحول الملف فجاءة عن دائرة الأضواء.
ويرى مراقبون أن القاعدة الروسية في المياه السودانية بالبحر الأحمر تثير مخاوف جيران السودان، رغم التطمينات السودانية، لكن هو أحد الأسباب الرئيسية لتأجيله أكثر من مرة.
مؤخرا وفي فبراير الماضي، عاد الملف للواجهة عقب مباحثات أجراها وزيرا خارجية البلدين
حيث أعلنت كلا من روسيا والسودان توصلهما إلى تفاهم متبادل بشأن قضية بناء قاعدة بحرية روسية في بورتسودان، حسب ما أفاد وزير الخارجية السوداني حينها علي يوسف الشريف، عقب ختام مباحثاته في موسكو مع نظيره الروسي سيرغي لافروف.
وقال الشريف، في مؤتمر صحفي مشترك مع لافروف، في ١٢ فبراير الماضي، ردا على سؤال عن الوضع الحالي للاتفاق بشأن القاعدة البحرية الروسية في السودان، (توصلنا إلى تفاهم متبادل بشأن هذه القضية، لذا فإن السؤال بسيط للغاية.. ليس لدي ما أضيفه، لقد اتفقنا، اتفقنا على كل شيء).
من جانبه، أكد الوزير الروسي أنه تم إيلاء اهتمام خاص للوضع في السودان وتطبيع الأوضاع هناك في أقرب وقت ممكن من خلال إنهاء العمليات العسكرية بسرعة والإطلاق الموازي لحوار وطني يشمل جميع ممثلي القوى السياسية والعرقية الطائفية.
وبحسب وزير الخارجية الروسي، فإن استقرار الوضع في السودان سيخلق الظروف لمزيد من تطوير العلاقات الثنائية، معتبرا أن تقديم المساعدة للسودان في تطوير قاعدة الموارد المعدنية في البلاد يشكل أحد المجالات ذات الأولوية.
الآن وبعد انتهاء الحرب في ولايات الوسط على الأقل، فإن لقاء البرهان وبوتين بحسب مراقبين، يعتبر خطوة متقدمة في ملف القاعدة الروسية.
يرى مراقبون، أن القاعدة الروسية تحولت من شأن داخلي بين دولتين إلى قلق إقليمي وتخوفات أمريكية، وذلك بسبب أن الحكومة السابقة كانت تستخدم القاعدة الروسية كفزاعة لإخافة واشنطن وحلفائها الإقليميين، ما يشير بحسب مراقبين إلى أن موافقة الخرطوم على القاعدة الروسية بالبحر الأحمر، ستجر عليها غضب الولايات المتحدة وحلفائها سيما المملكة العربية السعودية، التي تتوجس من قاعدة روسية تجاور حدودها البحرية، الأمر الذي قد ينعكس على الحرب الدائرة بالبلاد، سيما وأن القاعدة الروسية تعني عمليا إنتهاء دور الرباعية الدولية والوساطة السعودية، ما قد يدفع تحولا للتحول من حالة الحياد في الحرب إلى دعم المليشيات بشكل صريح، ومن هنا يرى مراقبين أن تأخير قرار الموافقة على القاعدة الروسية سيكون قرارا صائبا ويصب في مصلحة روسيا والسودان معا.