مؤتمر إعادة إعمار السودان في البرازيل … فرص استثمارية بـ(8) مليارات دولار
الصادق البديري – ساوباولو:
امتلأت قاعة الغرفة العربية البرازيلية لأول مرة في تاريخها، في مشهد يعكس النجاح الباهر الذي حققه منتدى السودان والبرازيل الاقتصادي للعام 2025
وكشف المنتدى -الذي عقد مؤخرا- عن فرص استثمارية ضخمة تتجاوز 8 مليارات دولار في السودان، تشمل مشاريع زراعية وتعدينية واستخراجية، في إطار سعي الحكومة السودانية لجذب الاستثمارات البرازيلية للمساهمة في عملية إعادة الإعمار الوطني.
جاءت فكرة المؤتمر من التعاون بين السفير السوداني الدكتور أحمد التيجاني سوار والجالية السودانية ووزارة الاستثمار السودانية. استغرق التحضير أكثر من شهرين لضمان مشاركة الشركات المتخصصة من الجانبين، في جهد منظم شهد إقامة الوفد كاملاً في فندق واحد وعقد الاجتماعات داخل نفس المكان
خطوات ثابتة نحو التعافي:
أكدت وزيرة الاستثمار والتنمية السودانية أحلام مدني مهدي سبيل، التي ترأست الوفد الحكومي الرفيع المستوى، أن السودان يخطو خطوات ثابتة نحو التعافي وإعادة البناء بعد الانتصارات التي حققتها القوات المسلحة السودانية. أشارت إلى أن بلادها تنظر للبرازيل كشريك استراتيجي في التنمية والسلام، مستفيدة من خبراتها العميقة في مجالات الزراعة والصناعة والتكنولوجيا والبنى التحتية.
أوضحت الوزيرة أن انعقاد هذا الملتقى في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ السودان يمثل بادرة أمل ونافذة عبور نحو المستقبل، حيث تبدأ أولى خطوات التعافي الوطني بعبور جسر الأطلسي إلى أمريكا الجنوبية، إلى البرازيل الصديقة التي احتضنت عبر التاريخ موجات من الهجرات العربية والإفريقية وأسهمت في بناء حضارتها ونهضتها الحديثة
إزالة المعوقات :
كشف السفير السوداني عن أن بلاده أزالت كافة المعوقات الخاصة بالتبادل التجاري مع البرازيل، ووقعت اتفاقية تسوية الديون البرازيلية على السودان، وفتحت قنوات التعاون البنكية بين البلدين. أشار إلى تحقيق مشروعات تعاون فعلية في مجال البترول والإيثانول والطاقة المتجددة والتصنيع الزراعي والثروة الحيوانية والسمكية في أكبر مشروع في السودان وهو مشروع نهري عطبرة وستيت، مؤكداً تطلع بلاده للتعاون الثلاثي الذي يساهم في الأمن الغذائي العالمي.
أكد السفير السوداني أن العلاقات الدبلوماسية بين السودان والبرازيل منذ نشأتها عام 1968 تشهد تطوراً مستمراً، يعكس مواقفهما الإيجابية ورؤيتهما المتزنة لمستقبل العالم في إطار سياسة التعاون والمصالح المشتركة، داعياً الشركات البرازيلية للعمل من أجل بناء سودان أكثر استقراراً وازدهاراً
بيئة واعدة للاستثمار الزراعي:

يكشف عبد الحليم أم بدة نورين حمد، مدير المركز التجاري السوداني البرازيلي في ساوباولو ورئيس جمعية الصداقة السودانية البرازيلية ورئيس الجالية السودانية في البرازيل، أن المزارعين البرازيليين حددوا في السودان منذ سنوات عديدة بيئة واعدة لتطوير مشاريع زراعية صناعية ذات قدرة تنافسية عالية، بفضل الظروف الاستثنائية التي يقدمها البلد.
يوضح أم بدة أن هذه الظروف تشمل وفرة الأراضي الخصبة وتوافر المياه للزراعة على نطاق واسع، بالإضافة إلى مناخ ملائم لمكافحة الآفات ويسمح بزراعة محاصيل عالية الإنتاجية. يؤكد أن السودان يتمتع بموقع استراتيجي لتصريف المحاصيل ومراكز استهلاكية كبيرة، خاصة دول الخليج التي تزداد طلباً على الحبوب لمشاريعها لإنتاج البروتينات، بالإضافة إلى أسواق مثل الصين وأوروبا والدول الإفريقية الأخرى النامية.
100مليون فدان صالح للزراعة:
كشف مدير إدارة الترويج بوزارة الاستثمار إسلام الصادق سلامة عن أن السودان يضم 100 مليون فدان صالح للزراعة، و3 مليارات متر مكعب من المياه الجوفية، و45 مليار متر مكعب سنوياً من مياه الأنهار، مما يؤهله ليكون سلة غذاء العالم. أوضح أن السودان يحتل المرتبة السابعة عالمياً في إنتاج الثروة الحيوانية، والخامسة عالمياً في إنتاج السمسم الفرز الأول.
أشار سلامة إلى أن قانون الاستثمار الجديد لعام 2025 يوفر حوافز إضافية للمشروعات الاستراتيجية والقومية، ويعمل على حماية المشروعات من مخاطر الحروب من خلال توفير تأمين شامل. يتيح القانون العمل عبر نظام الشراكة بين القطاعين العام والخاص، ونظام النافذة الواحدة لتسهيل الإجراءات على المستثمرين.
مشاريع زراعية ضخمة:
استعرض ممثل وزارة الزراعة والري محمد الأمين يوسف مجموعة من المشاريع الزراعية الضخمة المطروحة للاستثمار، منها مشروع غرب أرقين للإنتاج الزراعي في الولاية الشمالية بمساحة مليون ونصف فدان وتكلفة 350 مليون دولار، ومشروع وادي الهواد الزراعي في ولاية نهر النيل بمساحة 2.5 مليون فدان وتكلفة 200 مليون دولار، ومشروع الجزيرة في ولاية سنار بمساحة 350 ألف فدان وتكلفة 350 مليون دولار.
أكد يوسف أن رؤية الوزارة تهدف إلى تحويل القطاع الزراعي من قطاع يغلب عليه الطابع الإعاشي التقليدي إلى قطاع تحركه آليات اقتصاد السوق وذو إنتاجية متنامية وجودة عالية ومساهم في غالب الناتج المحلي والصادر بإدارة مستدامة للموارد. أشار إلى أن الهدف الاستراتيجي هو تحقيق الأمن الغذائي وتخفيف وطأة الفقر ومحاربة الجوع، مشيداً بتجربة البرازيل الرائدة عالمياً في محاربة الجوع.
ثروة معدنية هائلة:
كشفت وكيلة وزارة المعادن هند صديق آدم حميد أن السودان يحتوي على جميع أنواع المعادن، بما في ذلك المعادن الثمينة كالذهب والفضة والأحجار الكريمة، والمعادن الاستراتيجية، ومعادن الطاقة النظيفة التي يتحدث عنها العالم حالياً. أوضحت أن السودان غني جداً بهذه المعادن، بالإضافة إلى العناصر الأرضية النادرة والمشعة، والمعادن الصناعية والزراعية، وأحجار البناء والزينة.
أشارت حميد إلى وجود مشاريع جاهزة للاستثمار في عدد من المعادن كالذهب والحديد والنحاس والمعادن الصناعية، بالإضافة إلى مناطق جديدة مفتوحة للاستكشاف تحتاج دراسات كاملة، مع إمكانية الشراكة مع الحكومة أو القطاع الخاص. لفتت إلى وجود استثمارات تعدينية ناجحة بالفعل مع شركات سعودية وقطرية ومغربية وصينية وروسية وأسترالية، بالإضافة لشركات تعدين محلية سودانية.
اتفاقيات نوعية في القطاع الصحي
شهد المؤتمر توقيع اتفاقيات مهمة في قطاع الأدوية، حيث زار الوفد السوداني بقيادة علي بابكر المسؤول عن السموم إحدى أكبر شركات الأدوية البرازيلية وحصل على الضوء الأخضر للتعاون. وقع الدكتور أدولفو البرازيلي، صاحب أكبر معامل التحاليل في البرازيل، اتفاقية مع المستشفيات السودانية لتقديم خدمات التشخيص عن بُعد عبر الأقمار الصناعية، مما يساعد في حل نقص الأطباء المتخصصين في السودان.
مشاركة واسعة ومتنوعة:
ضم الوفد السوداني لأول مرة وزراء إقليميين من الولايات، بالإضافة إلى وزيرة الاستثمار والتنمية. شمل الوفد كبريات المجموعات والشركات السودانية، بما في ذلك منظومة الصناعات الدفاعية بكل شركاتها التي تحتوي على حوالي 10 شركات، ومجموعة محجوب أولاد، ومجموعة سي تي سي، وشركة باتانوس، إضافة إلى العديد من رجال الأعمال المهتمين بالعمل في المجالات المطروحة.
أبدت شركات برازيلية متخصصة في الطرق والكباري، بعضها عمل سابقاً في العراق، استعدادها للمشاركة في إعادة بناء البنية التحتية السودانية المتضررة من الحرب.
حوافز وضمانات للمستثمرين:
لفت المشاركون إلى أن السودان يوفر العديد من الضمانات والحوافز للمستثمرين، منها السماح باستيراد التجهيزات الرأسمالية للمشروع معفاة من الرسوم الجمركية، والسماح بالعمالة الأجنبية في حدود 20% بشرط أن تكون مدربة، وتوفير تراخيص العمل والإقامة للمستثمر وأسرته، وإعفاء المرتبات من العلاوات الاجتماعية، والسماح بتحويل الأرباح بالعملة الأجنبية إلى الخارج.
أكدوا التزام الحكومة السودانية بضمانات عدم التأميم وعدم الحجز على أصول المشروع، والمساواة بين المستثمر المحلي والأجنبي في الحصول على نفس الضمانات والامتيازات والتسهيلات.
تطلعات مستقبلية:
يخطط المنظمون لمتابعة تنفيذ الاتفاقيات الموقعة، خاصة مع تحسن الأوضاع في السودان بعد تحرير الخرطوم ومدني، كما يعملون على استكمال المشاريع المتوقفة بسبب الحرب. أعلن السفير السوداني عن تطلع بلاده لتنظيم النسخة القادمة من هذا الملتقى في السودان عام 2026 في العاصمة الخرطوم، مما يعكس الثقة في مستقبل العلاقات الاقتصادية بين البلدين والاستقرار المتوقع في السودان.
أجمع المتحدثون على أن التعاون بين السودان والبرازيل يحمل إمكانات هائلة للتكامل الاقتصادي، خاصة مع ما يمتلكه السودان من موارد طبيعية ضخمة وموقع استراتيجي متميز على أهم ممر تجاري في العالم وهو البحر الأحمر، وما تمتلكه البرازيل من خبرات تقنية وتكنولوجية متقدمة وتجربة رائدة في محاربة الجوع وتحقيق الأمن الغذائي.