آخر الأخبار

حكومة الأمل وإعتماد سياسة إعادة البناء

بعد .. و .. مسافة

مصطفى ابوالعزائم

 

*لا زال كثير من الناس يتحدثون عن الفساد الذي ضرب مفاصل الدولة عندنا في السودان، وهذه مهمة عسيرة تواجه حكومة الأمل التي يرأسها الدكتور كامل إدريس، ويصبح واجب الحكومة الآن البحث عن كيفية محاربة الفساد ومحاسبة المفسدين، وكنت قد تابعت ذات يوم ورشة لتطوير مهنة المحاسبة في السودان، نظمها مجلس تنظيم المهنة بالسودان بالتعاون مع البنك الدولي، قبل هذه الحرب اللعينة بفندق (كورنثيا) في الخرطوم، موضوع الورشة وقتها كان للتباحث حول كيفية تطوير مهنة المحاسبة، والإرتقاء بها من المحلية إلى العالمية.

*ربط بعض المتحدثين نجاح مهنة المحاسبة في السودان بالإلتزام بالمعايير العالمية، وطالب البعض في حديث بثته بعض القنوات الفضائية، بسن قوانين تعمل على تطوير المهنة لأن قانون الشركات المعمول به في السودان الآن، هو قانون 1925م وهو قانون قديم أكل عليه الدهر وشرب، ولم يواكب التطورات المتسارعة التي لحقت بمناحي العمل الإقتصادي والمحاسبي بصورة عامة.

*وطالب أحد المتحدثين في تلك الورشة بأن يكون هناك عدد كبير من المحاسبين لوقف إستشراء الفساد، وفي رأيي ورأي الكثيرين ان هذا ليس هو الحل ،فإيقاف الفساد لن يكون بزيادة عدد المحاسبين فقط ، كما طالب بذلك البعض، لأنه ومع جيوش المحاسبين الجرارة، يمكن للفساد أن يكسب المعركة من خلال التحايل على القوانين فـ (الحرب خدعة) والمعركة بين الخير والشر ستظل دائرة إلى أن يرث الله الأرض وما عليها ، وقد نسب للمفكر السوداني الكبير الراحل الأستاذ بابكر كرار -رحمه الله- مقولة : (ليس هناك أقوى من الفساد في السودان) التي ظلت أصداؤها تتردد على مر عصور الحكم في أذهان الحادبين على مصلحة الوطن والمواطن ، ولا نريد إستخدام مصطلح (الصالح العام) الذي شاهت صورته ، وأضحى رمزاً للظلم البائن في الإطاحة بالخصوم السياسيين والشخصيين منذ رفع اليسار السوداني ذات يوم ، شعار (التطهير واجب وطني) ، ودخل ذلك في أدبياته من خلال الغناء والأناشيد الأكتوبرية – لو تذكرون – وتكرر الأمر ذاته بصورة عكسية عندما فشل الإنقلاب الشيوعي على الرئيس نميري عام 1971م ، فإنقلب السحر على الساحر ، وبدأت حملة إنتقامية ، أطاحت برموز اليسار والقوى التقدمية ، من وظائف الدولة العامة ، التي أضحت بين يوم وليلة وظائف خاصة بـ (النظام).

*تكرر الأمر ذاته عقب إنتفاضة أبريل عام 1985م، وبدأ تطبيق قانون الصالح العام، ليطيح بخصوم حكام ذلك الزمان، الذين لم يأت بهم إنتخاب ، وقد كنت وزملائي في صحيفتي الأيام والصحافة وقتها، ضحايا لذلك القانون ، وتم تطبيق المادة (26 أ) من قانون الصالح العام علينا ، ثم تكرر ذات الأمر بعد نجاح نظام الإنقاذ في الإستيلاء على السلطة، لتتم الإطاحة بكل مخالفيها السياسيين، ليصبح قانون الصالح العام نفسه نموذجاً من نماذج الفساد السياسي، خاصةً إذا ما إعتمدنا تعريف البنك الدولي للفساد بأنه (إساءة إستعمال الوظيفة العامة للكسب الخاص) ، أو تعريف منظمة الشفافية الدولية للفساد بأنه (كل عمل يتضمن سوء إستخدام المنصب العام لتحقيق مصلحة خاصة ذاتية لنفسه أو جماعته).

*إذاً الحكم هو أول أبواب الفساد والإفساد، والتداول السلمي للسلطة يحمي الحاكم والمحكوم معاً، ويحمي الوطن قبل كل شيء، وقد نسب للورد البريطاني (أكتون) نهاية القرن التاسع عشر مقولة: (السلطة مفسدة، والسلطة المطلقة فساد مطلق.. الرجال العظام غالباً ما يكونوا رجالاً سيئين).

*محاربة الفساد لن تكون بحراسة دفاتر الإنفاق الحكومي والعام بجيوش من المحاسبين، بل تكون بإعتماد مبدأ الشفافية في التعامل مع المال العام، وإلا فإن غيابه يعني أن شيئاً ما يجري في الغرف المظلمة أو المغلقة، أو أن هناك ما يتم تسلمه (تحت التربيزة).

*عدم إعتماد مبدأ الشفافية سيصم الدولة النظيفة بأنها فاسدة حتى وإن لم تجنح إلى فساد أو منكر.

*نحن في حاجة إلى إعادة هيكلة نظام الخدمة المدنية، وتطوير قوانينها، ونحتاج إلى إصلاح اقتصادي يقترن بالإصلاح السياسي، الذي يجب أن يعني بالإصلاح القانوني، نحن بصراحة في حاجة إلى تطبيق السياسة التي إنتهجها الزعيم السوفيتي السابق ميخائيل غورباتشوف، وهي سياسة إعادة البناء التي تعني بالروسية الـ (بيرسترويكا).

*ليتنا أضئنا الأنوار في كل مكان، فالخفافيش لا تعيش إلا في الظلام.