
الزغاريد في بيت البكاء
شوف عين
معاوية محمد علي
*وأهلنا في فاشر السلطان يعانون الحصار ويموتون بالجوع، ومسيرات الخراب والدمار تحوم في سماء الخرطوم، وحمى الضنك تفتك بالأجساد المنهكة من شظف العيش في كثير من ربوع وطننا الحبيب، وشباب غض يحمل السلاح ومقدما الروح والدماء للوطن فداء.
*تنشط في عديد العواصم العربية حفلات جماهيرية لمطربين ومطربات سودانيين، دون مراعاة للوطن الجريح والمواطن المكلوم.
*وكأنهم مطربين ومطربات من وطن آخر غير السودان، ومن شعب آخر غير شعب السودان الذي عانى وما زال يعاني من ويلات الحرب.
*يبررون إحياء تلك الحفلات بأكل العيش، مع أن الكثير من اصحاب المهن التي توقفت بسبب الحرب بحثوا عن مهن أخرى، وبحمد الله وفضله يعيشون في سترة حال وأحسن حال.
*هذا جانب، والجانب الآخر هو إستفهام عريض: هل يقوم هؤلاء المطربين والمطربات بحفظ الحقوق المادية والأدبية للشعراء والملحنين الذين يتغنون بأغنياتهم في تلك الحفلات؟.
*فالواضح أن ذلك لا يحدث، وان كثيرا من اولئك المطربين والمطربات يمارس القرصنة مع سبق الإصرار والترصد، والتعدي على حقوق الآخرين بشكل سافر، فلم نسمع بمطرب واحد أو مطربة قامت بدفع مليم لشاعر أو ملحن نظير ما غناه في تلك الحفلات، فمعظمهم يسرح ويمرح بالغناء بأغنيات غيرهم تحت دعاوى (تواصل الأجيال)، في وقت لا يجد فيه أصحاب تلك الأغنيات من الشعراء والملحنين (حق الدواء).
*وهنا اتذكر معلومة أهداها لي الشاعر الكبير اسحق الحلنقي، وهي أن الفنان ابو عركي البخيت درج بعد كل رحلة فنية خارجية له، على زيارة الشعراء والملحنين الذين تغنى بأغنياتهم في تلك الرحلة ومنح كل شاعر وملحن حقه وزيادة، مع ان الأغنيات مشتراة ومتنازل عنها له مسبقا.
*وبالطبع لن نقول لأولئك (القراصنة) تعلموا من أبو عركي (الصمود) وراعوا لمشاعر الشعب وعيشوا ما يعيش، فذاك من المستحيل، ولكن تعلموا من الفنان الكبير حفظ حقوق الآخرين وكيف يتعامل الفنان، خاصة وأن معظم الشعراء والملحنين يعيشون الكفاف، قبل وبعد الحرب.
*على هؤلاء الصغار (فكرا) والقاصرين فهما لرسالة الفن، والذين أصبحوا مثل ابن بطوطة من كثرة رحلاتهم الفنية من دولة لأخرى أن يعوا معنى الفن الحقيقي ودوره الرسالي والإنساني، قبل أن يعوا مواد القانون التي تنظم العملية الفنية، والفقرات القانونية التي توضح عقوبة التعدي على حقوق الآخرين.
* أظن أن كثيراً من المطربين والمطربات الناشطين هذه الأيام في الحفلات يعرفون هذه المعلومة، بقدر ما عرفوا وأدمنوا ترديد أعمال الآخرين وجعلوها مصدرا لـ (أكل العيش)، والبعض منهم تنعم منها ويقطن بفضلها في أرقى (الشقق) بالقاهرة وغيرها من العواصم العربية، بينما أصحاب الحقوق الأصيلة أكثرهم يصارع المرض، و(النصيح) منهم يحمل (ماعونه) في صف (تكايا الإطعام) في انتظار حظه من ( كمشة بليلة).
*وده كلو كوم) والسؤال الأخير (كوم): (الجمهور البحضر الحفلات دي، من وين جاب النفس عشان يحضر حفلة)؟.
*والغريب أكثرهم لاجئين وأكثرهم لا يملك حتى كرت اللجوء.