من مجد قطر إلى ذهب تشيلي.. “مصنع مجاني” وراء الإبهار المغربي
يعيش المغرب عصرا ذهبيا غير مسبوق في تاريخ كرة القدم العربية والأفريقية، تجسد في إنجازين استثنائيين فصلت بينهما 3 سنوات فقط، المركز الرابع في كأس العالم قطر 2022 كأول منتخب عربي وأفريقي يبلغ نصف النهائي، ثم التتويج بكأس العالم للشباب تحت 20 سنة بتشيلي 2025.
هذه الطفرة الكروية المذهلة لم تكن صدفة، بل حصاد إستراتيجية طويلة المدى، قلبها النابض أكاديمية محمد السادس لكرة القدم، المشروع الملكي الذي حول المغرب من دولة غائبة عن المنافسات القارية، إلى بطل عالمي في أقل من عقدين
ملحمة قطر 2022
في شتاء 2022، أذهل المنتخب المغربي الأول العالم بوصوله لنصف نهائي كأس العالم بقطر، محققا إنجازا تاريخيا لم يسبق لمنتخب عربي أو أفريقي الوصول إليه.
بدأ “أسود الأطلس” بتصدر مجموعة الموت التي ضمت بلجيكا المصنفة ثانيا عالميا وكرواتيا وصيفة المونديال السابق وكندا، بتعادل سلبي مع كرواتيا وفوزين على بلجيكا 2-0 وكندا 2-1.
لكن الملحمة الحقيقية بدأت في الأدوار الإقصائية، حيث قدم المنتخب المغربي عرضا تكتيكيا محكما أمام إسبانيا انتهى بالتعادل السلبي والتأهل بركلات الترجيح 3-0.
ثم جاء الانتصار الأسطوري على البرتغال في ربع النهائي بهدف وحيد سجله يوسف النصيري (خريج أكاديمية محمد السادس)، ليصبح المغرب أول منتخب أفريقي وعربي يتأهل للمربع الذهبي
توقف الحلم في نصف النهائي أمام فرنسا حاملة اللقب بخسارة 0-2 (أهداف ثيو هيرنانديز وكولو مواني)، ثم خسر المغرب مباراة المركز الثالث أمام كرواتيا 1-2 ليحتل المركز الرابع.
هذا الإنجاز جعل المغرب ثالث منتخب غير أوروبي أو أمريكي جنوبي يصل للدور نصف النهائي بعد الولايات المتحدة 1930 وكوريا الجنوبية 2002، ورفع المنتخب للمركز 11 عالميا في تصنيف الفيفا 2025
بعد 3 سنوات، حقق المنتخب المغربي للشباب تحت 20 سنة إنجازا لا يقل عظمة، بالتتويج باللقب العالمي.
التتويج جاء في تشيلي، بعد فوز مستحق على الأرجنتين في النهائي بهدفين من ياسر الزابيري (خريج أكاديمية محمد السادس) في الدقيقتين 12 و29.
المشوار نحو اللقب كان ملحميا، أطاح “أشبال الأطلس” بعمالقة العالم، إسبانيا والبرازيل في دور المجموعات، كوريا الجنوبية والولايات المتحدة في الأدوار الإقصائية، فرنسا في نصف النهائي بركلات الترجيح (ثأرا لنصف نهائي قطر 2022)، وأخيرا الأرجنتين في النهائي
هيمنة مغربية على جوائز البطولة
اكتسح اللاعبون المغاربة جوائز البطولة الفردية بشكل غير مسبوق، فنال عثمان معما (واتفورد الإنجليزي)، الكرة الذهبية كأفضل لاعب في المونديال بعد تسجيله هدفا واحدا وصناعته 4 تمريرات حاسمة.
وأصبح معما ثاني لاعب عربي يفوز بهذه الجائزة بعد إسماعيل مطر 2003، متبعا خطى أساطير فازوا بها مثل مارادونا وليونيل ميسي وسيرجيو أجويرو.
وفاز ياسر الزابيري (فاماليكاو البرتغالي، خريج الأكاديمية) بالكرة الفضية كثاني أفضل لاعب
سلسلة إنجازات ذهبية
بين مونديال قطر وتتويج تشيلي، حقق المغرب سلسلة استثنائية من الإنجازات شملت جميع الفئات العمرية:
فمنتخب تحت 23 سنة (الأولمبي)، فاز بـكأس أمم أفريقيا للمرة الأولى على حساب مصر حاملة اللقب 2-1.
كما حصد ذات الفريق، الميدالية البرونزية في أولمبياد باريس 2024، بعد اكتساح شقيقه المصري 6-0 في مباراة المركز الثالث.
أما المنتخب الأول، فقد حطم الرقم القياسي العالمي لأطول سلسلة انتصارات متتالية بـ16 فوزا على التوالي، في أكتوبر 2025، متجاوزا إسبانيا،و تأهل كأول منتخب أفريقي لكأس العالم 2026 (المرة الثالثة على التوالي).
كما يهيمن منتخب المحليين على بطولة أفريقيا (الشان)، هيمنة مطلقة، بـ3 ألقاب متتالية في نسخ 2018 و2020 و2024.
فيما توج منتخب تحت 17 سنة، بـكأس أمم أفريقيا، مع مشاركة 9 لاعبين من خريجي أكاديمية محمد السادس في قائمة 26 لاعبا.
واكتفى منتخب تحت 20 سنة بالمركز الثاني في كأس أمم أفريقيا تحت 20 سنة في مصر قبل أن يتوهج ويحرز لقب كأس العالم للشباب في تشيلي، أكتوبر 2025
هذه السلسلة، تعكس طفرة كروية شاملة وغير مسبوقة في تاريخ العرب والقارة السمراء مصنع الأبطال
وراء هذه الإنجازات المتلاحقة يقف مشروع ملكي طموح غير وجه كرة القدم المغربية، أكاديمية محمد السادس لكرة القدم.
أطلقها الملك محمد السادس عام 2009 استجابة لسلسلة نكسات عانت منها الكرة المغربية، وتخلي الأندية عن التكوين القاعدي تحت ضغط الجمهور الباحث عن النتائج الفورية.
افتتحت الأكاديمية رسميا عام 2010 في سلا قرب الرباط باستثمار 140 مليون درهم (15-17 مليون دولار).
تمتد على 2.5 كيلومتر مربع، مصممة على شكل دوار مغربي تقليدي بساحة مركزية محاطة بـ5 أبنية.
تضم البنية التحتية 10 ملاعب كرة قدم مطابقة لمعايير فيفا (عشب طبيعي وصناعي)، فضلا عن مركز طبي ورياضي متطور (عيادة، علاج طبيعي، مسبح استشفائي).
كما تحتوي على مجمع سكني فندقي 5 نجوم (يستوعب50-100 لاعب)، ومدرسة داخلية متكاملة (10 فصول دراسية)،و قاعات لياقة ومرافق ترفيهية ومسجد وقاعة مؤتمرات.
وصف فيفا الأكاديمية بـ”جوهرة كرة القدم المغربية”، وصنفتها ليكيب الفرنسية ضمن الأفضل عالميا مقارنة بكلير فونتين ولاماسيا.
إستراتيجية لقجع
ولا يمكن إغفال أن هذه الطفرة الكروية ثمرة إستراتيجية أطلقتها الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم بقيادة فوزي لقجع، ترتكز على التكوين القاعدي عبر أكاديمية محمد السادس وعدة شبكات مراكز فيدرالية، فضلا عن شبكة كشافين في أوروبا لاستقطاب مزدوجي الجنسية.