
السفير عدوي.. صوت السودان الهادئ في وقت العاصفة
عمرو خان
*في زمنٍ تتزاحم فيه البيانات وتضيع الأصوات وسط صخب الحرب، خرج السفير عماد الدين عدوي، سفيرالسودان في القاهرة، ليُعيد تعريف الدبلوماسية السودانية من جديد. لم يأتِ الرجل ليقدّم خطاباً شكلياً أو بيانات بروتوكولية، بل جاء بصوتٍ أقرب إلى الوجدان من السياسة، صوتٍ يحمل قلق الوطن، وحكمة الجار، ووجع الإنسان السوداني في الشتات.
*منذ بداية المؤتمر الصحفي، بدا عدوي مختلفاً؛ لم يتكلم بلسان المكاتب، بل بلسان الميدان.. حين تحدّث عن الفاشر، عن الخنادق التي حفرتها قوات الدعم السريع، وعن المدنيين المحاصرين والجوع الذي يزحف في الظلال، شعرتُ أنه لا يتحدث بصفته سفيراً فقط، بل شاهداً على وجع وطنٍ يتداعى أمام عيون العالم الصامتة.
*لكن ما لفتني أكثر هو توازن خطابه: لم يكتفِ بإدانة العنف، بل ربط بين الداخل والخارج، بين الحرب والسلام، بين الخرطوم والقاهرة.. قالها بوضوح: (مصر شريك محوري في دعم الاستقرار وإعادة الإعمار)، جملة تبدو دبلوماسية في ظاهرها، لكنها تحمل في طيّاتها رسالة سياسية عميقة – فالسودان في عزلته الراهنة يبحث عن نافذةٍ نحو الضوء، ومصر هي أقرب النوافذ وأوسعها.
*في الجانب الإنساني، تَحدث عدوي عن أبناء الجالية السودانية في مصر – الذين تجاوز عددهم الملايين – وعن ضرورة تسهيل الإجراءات القنصلية والتأشيرات والإقامات. بدا صوته أبويًا أكثر منه رسميًا، واعيًا بحجم الألم الذي يحمله السودانيون في القاهرة والإسكندرية وأسيوط والمنصورة. أولئك الذين ينامون على أمل أن تعود السماء صافية فوق الخرطوم يوماً ما.
*خطاب عدوي أمس لم يكن مجرد مؤتمر صحفي، بل محاولة لترميم ما تكسّر في الوجدان السوداني بعد عامٍ ونصف من الحرب. حديثه عن المسؤولية المزدوجة تجاه الجالية أعاد الاعتبار لفكرة «الوطن الممتد» — أن السوداني الذي يعيش في القاهرة لا يقل وطنية عن الذي يصمد في نيالا أو القضارف، فكلاهما يواجه الحرب بطريقته.
*من زاوية سياسية، استطاع السفير أن يرسل رسائل دقيقة دون ضجيج:
*إلى الداخل: أن صوت الدولة السودانية لا يزال متماسكاً، وأن للبلاد ممثلاً يتحدث بعقلٍ لا بانفعال.
*إلى مصر: أن العلاقة ليست علاقة عبور حدود، بل امتداد مصير.
*إلى العالم: أن الصمت على ما يجري في دارفور لم يعد ممكناً، وأن الخنادق التي حُفرت هناك ليست فقط تحت الأرض، بل في الضمير الإنساني أيضاً
*من النادر أن تجد دبلوماسياً يجمع بين الصرامة والإنسانية، بين التوازن والجرأة.. لكن عدوي فعل ذلك دون أن يرفع صوته.. ربما لأنه يدرك أن صوت السودان الحقيقي ليس في العواصم، بل في بيوت أمهات الجنود المفقودين، وفي خيام اللاجئين الذين ينتظرون عودة الشمس.
*في زمنٍ تتكاثر فيه الشائعات وتتراجع فيه الدبلوماسية إلى الهامش، بدا السفير عدوي اليوم كمن يعيد ترتيب الحروف في جملة السودان الكبرى (نحن هنا… لم ننكسر بعد).
*ذلك الصوت الهادئ الذي خرج من قاعة المؤتمر في القاهرة، ربما كان أقوى من كل المدافع التي دوّت في الفاشر.. لأنه قال ما يجب أن يُقال: أن السودان ما زال على قيد الحياة، رغم كل ما يموت من حوله.
*كاتب صحفي مصري