
كيف تؤثر السياسة على تقنية المعلومات في البلاد(1)
م. أسامة يوسف فضل الله
*تُعدّ المؤسسية والحوكمة الركيزة الأساسية لبناء الدول الحديثة، فهي تمثل الإطار الذي تنتظم داخله السياسات والخطط وتُترجم إلى إنجازات واقعية.. فالدولة المستقرة سياسيًا تضع النظم والحوكمة ضمن أولوياتها، باعتبارها الضامن لاستمرارية العمل الإداري والتنفيذي بكفاءة. ويؤدي هذا الاستقرار إلى خلق بيئة مناسبة لتبني الخطط التقنية طويلة الأجل، وتنفيذها ضمن مؤسسات مستقرة وقادرة على التطوير المستمر.
*أما في المقابل، فإن غياب الاستقرار السياسي والتنازع على مراكز القرار يؤديان إلى تعطّل المشاريع، وتراجع الكفاءة المؤسسية، وهجرة الكفاءات التي تمثل ركيزة التطور التقني.
*ومن هنا تتضح العلاقة الوثيقة بين الاستقرار السياسي، ونجاح الدولة في بناء نظام حوكمي ومؤسسي قادر على تحقيق تحول رقمي فعّال ومستدام.
تأتي التقنية في الدرجة الثانية من سلم البنى التحتية حيث تعتمد بالأساس على استقرار بعض الخدمات مثل الكهرباء وشبكات الإنترنت والتي تعتبر بالأساس مشاريع حكومية تخطيطا ومراقبة إن لم يكن تنفيذا، لذلك تتأثر مشاريع البنية التحتية كثيرا بالاستقرار السياسي والحكومات مما يؤثر بالتالي على المشاريع التقنية.
*التحول الإداري البطيء المستقر أو المتسارع في الوزارات والمؤسسات الخاصة للدولة يؤدي لتوقف السير في المشاريع الكبرى مثل الحكومة الإلكترونية ومشاريع البنى التحتية والصراع على مراكز القرار والضغط يؤدي إلى إيقاف المشاريع القائمة بالأخص ذات المردود التحصيلي الإيرادي والذي يعتبر إحدى أدوات الصراع وفرض الرؤية أو حتى الإفشال بين السياسيين في الدول غير المستقرة.
*تعتبر احدى أكثر تاثيرات عدم الاستقرار السياسي و بالتالي
الاقتصادي هو هجرة العقول والتي
تعتبر نزيفا في القدرة الوطنية على اتخاذ القرار التقني المستقل .. حيث تؤثر على تحديد الخيارات المستخدمة من تقنية من توفر انظمة او معرفة لاستعمالها و وفرة في تقديم الدعم الفني المستقر او من شراء تلك الانظمة من الخارج او حتى قرار المستثمرين او الشركات التقنية الكبرى من بناء وحدات مستقلة داخل تلك البلدان .. مما يؤدي الى ان تُصبح الدولة تعتمد على الشركات الأجنبية لتحديد ما يجب أن تشتريه أو تستخدمه. كذلك هذا يؤدي إلى قرارات تقنية غير مبنية على تحليل وطني، بل على توصيات تجارية أو سياسية من الخارج. و تكون النتيجة: استيراد التقنية بدل صناعتها أو تكييفها.
*الثقة بين الدولة والمواطن هي الشرط الأخلاقي والسياسي الذي يسمح للتقنية أن تعمل وتزدهر.. والاستقرار السياسي هو الشرط العملي والمؤسسي الذي يجعل هذا النجاح مستدامًا. بمعنى آخر: الثقة تولّد القبول الشعبي للتقنية، والاستقرار يوفّر البيئة التي تُترجم فيها التقنية إلى نتائج . لذلك , تنفيذ الخطط التقنية طويلة الأجل يؤدي بالأساس الى استقرار الانظمة الحكومية التي بالتالي ترفع من ثقة المواطن من استخدامها و بذلك تكون هذه المنصات الخدمية هي الخيار الامثل للمواطن و الاسهل و الاوثق , بالمقابل عدم الاستقرار و شعور المواطن بالخوف من الدولة و لامتلاكها تفاصيل بياناته و حركته التجارية و مخافة استخدام هذه البيانات ضد مصلحته بشكل او آخر يجعل المواطن يحجم عن استخدام الوسائل التقنية و ايضا عدم ثقة في استقرارها ,بدءا من تحويل الاموال انتهاء الى تسجيل البيانات الاساسية و المطلوبات الاولية من افادات هوية او جواز او غيرها من الاجرات, التقنيات الجديدة (الذكاء الاصطناعي، البيانات الضخمة، تحليل السلوك) تحتاج إلى تعاون المواطن.
*من دون الثقة، سيخاف الناس من مشاركة معلوماتهم الصحية أو التعليمية أو المعيشية. من المهم جدا في التقنية مراعاة حاجة المستخدم، الثقة تجعل المواطن يرى التقنية كجزء من مشروع وطني وليس مشروعا حكوميا مؤقتا. بالتالي: المجتمع نفسه يدعم التطوير الرقمي وينتقد القصور بشكل بنّاء.
*التحول الرقمي لا ينجح في سنة أو سنتين. يحتاج إلى: رؤية وطنية واضحة (10–20 سنة). وسياسات مستمرة لا تتبدل مع الحكومات مؤسسات تنفيذية مستقرة.
*الاستقرار يجذب الاستثمار التقني ( الشركات العالمية) والمستثمرون في التقنية لا يدخلون سوقًا سياسيًا متقلبًا. لذلك، الاستقرار يخلق بيئة آمنة للاستثمار في: اولاً مراكز بيانات. شركات ناشئة.. مشاريع ذكاء اصطناعي واتصالات. أي أن الثقة السياسية تولّد الثقة الاقتصادية، والتي بدورها تسرّع التطور التقني. الاستقرار يتيح بناء مؤسسات دعم فني ومعرفة وطنية . عندما تكون المؤسسات الحكومية مستقرة: يُمكن بناء مراكز تدريب وبحث تقني وطني. وتُتاح فرص عمل مستقرة للمبرمجين والمهندسين. أما في ظل عدم الاستقرار، فالمهندسون يهاجرون (كما ناقشنا سابقًا)، ويُفقد التراكم المعرفي.
*يمكن القول إنّ الاستقرار السياسي والثقة المتبادلة بين الدولة والمواطن يشكّلان الأساس الذي تُبنى عليه المؤسسية والحوكمة الفعّالة. فكلما استقر النظام السياسي، تعززت قدرة الدولة على تنفيذ الخطط التقنية طويلة المدى وتحقيق التحول الرقمي المستدام.. أما غياب الاستقرار فيؤدي إلى.. ضعف البنية المؤسسية، وهجرة الكفاءات، والاعتماد المفرط على الخارج في مجالات التقنية والتنمية.