
شباب سابق .. وصابغ
بعد .. و .. مسافة
مصطفى ابوالعزائم
*ونحن في القاهرة الآن لم يكن وجودنا سياحة أو نزهة أو لطلب العلاج حتى، القاهرة التي نعرفها هي ذاتها لكننا نحن الذين تغيرنا بسبب الحالة النفسية التي نعيشها وتعيشها بلانا منذ الخامس عشر من أبريل 2023 م ، بعد تمرد قوات الدعم السريع وتعديها على الحرمات والأعراض ، والممتلكات.
*في الملتقيات والمنتديات العامة نلتقي بالكثير من الأصدقاء والزملاء والصحاب، فنتحدث عن الوطن والجراحات التي سببتها هذه الحرب اللعينة، وربما يستعيد بعضنا ذكريات مشتركة كانت القاهرة مسرحها، مثلما إستعدت قبل أشهر ذكريات مع أخي الكريم الفنان عبدالله عبدالقادر البعيو، قبيل عودته إلى السودان مؤخراً
*عادت بي الذاكرة إلى ما قبل عشر سنوات أو يزيد قليلاً، عندما التقيت بالإبن الصالح محجوب أبوالقاسم في مناسبة إجتماعية، فقفزت إلى ذاكرتي مشاركتي في الملتقى الثاني لشباب دول حوض النيل، والذي كان تحت شعار (النيل شريان الحياة) وقلت وقتها لأعضاء وفد السودان من الشباب المشاركين في الملتقى، ومن بينهم الأستاذ محجوب أبوالقاسم أمين الإعلام بالإتحاد الوطني للشباب السوداني آنذاك، ومعه الأستاذ آدم محمد آدم، أمين الولايات وغيرهما، قلت لهما أنني وجدت نفسي وحيداً وسط هذا الخضم الشاب، وكان من المفترض أن يشارك معنا الأخ العزيز وصديق العمر الأستاذ أحمد البلال الطيب، ولكن شواغل كثيرة منعته من المشاركة، لكنني وجدت صحفياً واحداً فقط من السنغال إسمه (شيخو أليو) أي (شيخ علي)، وأقمنا معاً في جناح مكون من غرفتين، وكان من الطرائف أن زميل السكن كان يحاول التحدث معي بالفرنسية، وأحاول محادثته بالإنجليزية.
*أقمنا وقتها في فندق فخم بمصر الجديدة ، أسمه (دار المشاة) يتبع لسلاح المشاة، وحال وصولنا إلى الفندق، قدمت للشباب حزمة الصحف السودانية التي كنت أحملها معي -عندما كانت الصحافة الورقية سيدة الموقف – وما كنت أعلم أن أخي وصديقي (البعيو) قد كشف سراً حرصت على إخفائه سنين عدداً، وذلك من خلال حوار أجري معه في صحيفة (اليوم التالي) الغراء، عندما سئل عن رأيه في الفنانين والشعراء والصحفيين وغيرهم ، ليقول أن فلاناً – ويعني كاتب هذا المقال – هو شاعره المفضل.
*ما قاله (البعيو) جعل محجوب وإخوانه يصرون على إسماعهم بعض ما أعجب الفنان الكبير (البعيو) فقلت لهم إن (البعيو) يتحدث عن ماضٍ له أكثر من ثلاثين عاماً، عندما كنا ننظم المنتديات الأدبية والفنية، ونقرض الشعر ليغني المغنون .. لقد كان يحكي عن ماضي الذكريات وعن أيام الشباب التي لن تعود، عندما كانت القلوب خضراء والنوايا بيضاء.
*و.. مع ذلك أصر محجوب ومن معه على أن اسمعهم ولو القليل، فقلت لهم إن ذلك كان أيام الصِّبا، إذ كيف لي الآن أن أكتب أو ألقي قصيدة شعر فيها اللهفة والشوق، والهوى والغرام، وسهد الليالي، وهجر الحبيب، أو البكاء على أطلال ذاهبة، فلو حدث ذلك الآن فإنما يكون مثل رجل كهل، إرتدى الملابس الملونة والمورَّدة ، وتحذق بـ(الشارلستون) .. وصبغ شعره
لم يكترث الجماعة، بل قالوا لي : (يا زول).. إنت لسه شباب.
*ولأنني أردت أن أطمئن نفسي قلت لهم : (الشباب شباب القلب .. والروح) ، لكن الذي لم أقله لهم كان
ألا ليت الشباب يعود يوماً.. فأخبره بما فعل المشيب.
*قطعاً كنت شاباً سابقاً لكنني لا أقبل أن أكون شاباً زائفاً صابغاً
. أيام مضت ولن تعود