آخر الأخبار

مقال البرهان في (وول ستريت جورنال).. الدلالة والمغزى

تقرير- الطيب عباس
أربك رئيس مجلس السيادة، القائد العام للجيش، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، المشهد الداخلي والخارجي بمقال تفصيلي عن الحرب والسلام في السودان في أوسع الصحف الأمريكية تأثيرا.
تمثل صحيفة (وول ستريت جورنال) التي نشرت مقال البرهان، منبرا مؤثرا في الأوساط السياسية والمالية الأمريكية في الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وهى محايدة بشكل كامل ولديها ضوابط مشددة ولا تنشر رأي كاتب إلا مدعما بأدلة وشواهد.
البرهان – وفق مراقبين – خاطب بشكل مباشر عبر هذه الصحيفة واسعة الانتشار والتأثير، مصالح ومخاوف صناع القرار الأمريكي وقدم تفصيلا موسعا لما دار ويدور في السودان منذ سقوط البشير، مذكرا بعراقة السودان منذ مملكة كوش التوراتية.
يرى مراقبون، أن مقال رئيس مجلس السيادة، بعنوان (حقيقة الحرب في السودان)، جاء في توقيته تماما، حيث خاطب صناع القرار الأمريكي، الذين يتأهبون لابتدار مناقشات بشأن إيقاف الحرب في السودان، بينما جل ما يعرفونه عن الحرب في السودان سردية أحادية عززها اللوبي الإماراتي في واشنطن، تساوي فيها بين الجيش ومليشيا الدعم السريع من حيث الشرعية والانتهاكات.
البرهان في مقاله نسف السردية الإماراتية، وخاطب مباشرة صناع القرار الأمريكي مقدما رواية مغايرة لطبيعة المليشيا الدموية وأهداف حربها العنصرية الفوضوية في مواجهة جيش نظامي يدافع عن دولة وطنية عمرها أكثر من 7 آلاف عام منذ كوش التوراتية، وهى صورتين متناقضتين تماما، تمثلان الفوضى والاستقرار، بينما السردية الإماراتية تسمي الحرب بصراع جنرالين على الحكم قاما بانتهاكات متساوية ويجدان تأييدا شعبيا متساويا.
يقول البرهان في مقاله، معضدا هذا الأمر (غالباً ما يسمع من هم خارج السودان روايات متضاربة حول جذور النزاع. وبوصفي القائد العام للقوات المسلحة السودانية ورئيس مجلس السيادة الانتقالي- الهيئة الحاكمة المؤقتة التي أُنشئت عقب الإطاحة بالرئيس عمر حسن البشير في عام 2019-أعلم أنّ الحقيقة واضحة. لقد اندلع الصراع لأنّ مليشيا الد.عم السر.يع، وهي ميليشيا مدجّجة بالسلاح ذات سجل طويل من الوحشية، تمرّدت على الدولة. وعلى الرغم من نفيها استهداف المدنيين.
المقال لم يقدم خطابا إنشائيا فضفاضا، وإنما قدم شواهد وتقارير أممية ذات مصداقية، واستدعى البرهان هنا حادثة 11 سبتمبر والإستفادة منها في تعظيم الإنتهاكات التي قامت بها المليشيا في السودان.
وقال البرهان في مقاله: (وثّق مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وجهات أخرى، عمليات قتل جماعي وعنف جنسي وترويع للمدنيين ارتكبتها الميليشيا.. وعندما استولت قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر في أواخر أكتوبر، أفيد بأنها ذبحت آلاف المدنيين. وقد ذكر مدير مختبر الأبحاث الإنسانية في جامعة (ييل) أن مصادر ميدانية قدّرت عدد القتلى بنحو 10 آلاف شخص قبل أن يفقد المختبر الاتصال- وهو رقم يقارب خمسة أضعاف ضحايا هجمات 11 سبتمبر الإرهابية، في مقياس قاتم لحجم الفظائع التي أُطلقت).
يقول الكاتب الصحفي عزمي عبد الرازق، إن مقال رئيس مجلس السيادة، يأتي ضمن تحركات سودانية تمثل خطوات متقدمة لإعادة صياغة رواية الحرب، وتعديل الصوّر، بما ينسجم مع الموقف الغربي المتنامي ضد المشروع الإماراتي في السودان، خصوصاً بعد مجازر الفاشر وبارا، ونشاط السفاح (أبولولو)، ويرى عزمي أن المعركة الجديدة بين السودان والإمارات لم تعد تدور في مطار نيالا ولا في محاور كردفان فقط، وإنما انتقلت إلى فضاءات أوسع عبر المنصّات العالمية، الصحافة الأمريكية، القنوات الدولية، البرلمانات الأوروبية، الشوارع أيضاً والمقاهي، وهى بلا شك معركة لاختراق وعي الخواجة، يسعى فيها السودان اليوم لتثبيت سرديته المستندة إلى الوقائع، في مواجهة الرواية المُضللة التي روّجت لها الأقلام الموالية للجنجويد، بدءاً من قصة الرصاصة الأولى، وتوصيف طبيعة الصراع، وألاعيب جماعة لا للحرب.
خطوة عملاقة:
مراقبون يعتبرون المقال، خطوة عملاقة هدفت لربط إنهاء الحرب بالمصالح الأمريكية، عبر وصف المقال للمليشيا بأنها عدو لواشنطن والأمن الإقليمي.
واعتبر الباحث والمحلل السياسي يوسف عمارة أبو سن، أن الدلالات الرئيسية لمقال البرهان، تكمن في تقديمه رواية عرفت الحرب في السودان تعريفا حدد طبيعة الصراع بين الدولة الشرعية وتمثلها القوات المسلحة وبين مليشيا خارجة عن القانون، ولم ينس المقال أن يذكر واشنطن بجرائم المليشيا وأثرها على الإقليم وإضرارها بالمصالح الأمريكية وللأمن الاقليمي وأمن البحر الأحمر ، كما ذكر المقال هجوم المليشيا على الدبلوماسيين أمريكيين ومقتل عنصر أمن بالسفارة الأمريكية، كما أبدى الرئيس البرهان استعداد الدولة للتفاوض بشروط مع إشارة لإمكانية دمج عناصر المليشيا غير المتورطين في الجرائم في الجيش، مع ربط أي حل مقبل بتفكيك الميليشيا وعزلها دوليا باعتبارها مجموعة إرهابية.
تقديم صورة شاملة:
حرص المقال على التطرق لمواضيع عديدة بإيجاز، مقدما تعريفا مبسطا للمليشيا وجرائمها وأصل الصراع وتأثير وجود المليشيا في مسرح الأحداث على الأمن الإقليمي، وخاطب المقال، مخاوف الأمريكيين ومنحهم الأمل في سودان متعاون مع واشنطن ويراعي مصالحها، وهى إشارات مهمة من شأنها أن تعيد حسابات الداخل الأمريكي، لأن المقال لم يترك لهم خيارات كثيرة، حيث يمكن التعاطي مع مشروعين اثنين، مشروع الفوضى واللا دولة الذي تنتهجه المليشيا برعاية إقليمية لم يذكر البرهان إسم الإمارات صراحة حتى لا يتسبب في حرج للصحيفة وبين مشروع الاستقرار والدولة الذي تقاتل من أجله القوات المسلحة السودانية.
المقال تطرق كذلك للدعم الخارجي للمليشيا، وهنا يريد البرهان استخدام واشنطن لنفوذها لإيقاف أبو ظبي عن التورط في دعم المليشيات، حيث هى نفسها تدرك تورط الإمارات في هذا الأمر، وقال: (ما يزيد هذا الوضع إيلاماً هو يقيننا بأنّ قوات الد.عم السر.يع لا تتحرك وحدها. إذ نعتقد نحن وجهات أخرى، بينها إدارة الرئيس ترامب، أنّ هذه الميليشيا تحظى بدعم خارجي كبير في العتاد وغيره، من أطراف تظن خطأً أنّ تمكين مجموعةٍ تتهمها الولايات المتحدة نفسها بارتكاب جرائم إبادة وتطهير عرقي سيخدم مصالحها الضيقة. والسودانيون يرون ذلك بوضوح؛ فهم يدركون كلفة تحويل بلادهم إلى ساحةٍ لتصفية طموحات الآخرين.
وفي محاولة استباقية لفرض أي مبادرات سلام لا يقبل به السودانيين، ربط البرهان في مقاله بين سودان مستقر وإنهاء المليشيات، مذكرا صناع القرار الأمريكي بأن اي حل يتضمن بقاء الجنجويد فهو ليس حل ولن يكون محل قبول وسط السودانيين، ولم يغلق البرهان هذا الملف بشكل كامل، وإنما منح فرصة لعناصر المليشيا للدمج في الجيش السوداني شريطة ألا يكونوا قد ارتكبوا جرائم بحق السودانيين.

في المجمل فإن البرهان خاطب صناع القرار الأمريكي بلغة مبسطة وواضحة ووضع ما يشبه خارطة الطريق، قدم فيه تعريفا عن طبيعة الصراع وأهدافه وشروط السودانيين لإنهاء الحرب.
يقول الكاتب الصحفي يوسف عمارة، إن البرهان خطاب أمريكا الرسمية بشكل مباشر، متجاوزاً الوساطات الإقليمية والدولية التقليدية وجماعات وشركات الضغط، ففي وصف الرئيس ترامب أشاد البرهان به شخصياً ووصفه بأنه (قائد يتحدث مباشرة ويتحرك بحسم فخاطب الجمهوريين عبر وزارة الخارجية، وخاطب المؤسسة الأمنية الأمريكية عبر ربط مصالح واشنطن باستقرار السودان، كذلك خاطب المجتمع الدولي والأمم المتحدة، ممثلا في مصدر قراره ومحدد موجهاته العامة.
مقابل إنهاء الحرب وفق الرؤية السودانية، فإن البرهان، بحسب أبو سن يقدم نفسه حليفا استراتيجيا للولايات المتحدة في المنطقة، ويؤيد الدور السعودي في حل المشكل السوداني مقابل تلميح نقدي للدول الداعمة للمليشيا، مع التجاهل الكامل للحركة المدنية وإطارها السياسي الداعم للمليشيا.