آخر الأخبار

استعادة التوازن النقدي والمالي على منضدة تشريح خبير التمويل المؤسسي نعمان يوسف (2-3)

 

  • السوق الموازي ليس جريمة والمطلوب الاتي
  • يجب الإنتقال من تصدير المواشي الحية إلى اللحوم المُعالجة والمُعبأة
  • لا يمكن لأي برنامج إصلاح نقدي أو مالي أن ينجح دون توفر الكفاءات البشرية

 

حوار- ناهد اوشي:

يمر الإقتصاد السوداني بمرحلة من التعقيد غير المسبوق، إذ تتقاطع الحرب مع هشاشة البنية الإنتاجية وتآكل الثقة في العملة الوطنية. ويزداد الوضع سوءا مع تضخم الكتلة النقدية وتعدد أسعار الصرف وتآكل القوة الشرائية للأجور.. ولمعرفة الحلول وطرق نجاة الاقتصاد السوداني من تلك الأزمات وكيفية استعادة التوازن النقدي والمالي جلست( أصداء سودانية ) إلى استشاري  التمويل المؤسسي خبير التمويل الأصغر نعمان يوسف محمد  في الحوار التالي:

*يشكل السوق الموازي تحديا كبيرا أمام استقرار العملة كيف يتسني تحجيمه والقضاء عليه؟

– حقيقة ان السوق الموازي ليس جريمة في حد ذاتها، بل نتيجة لغياب القنوات الرسمية. والحل لا يكون بالملاحقة الأمنية بل بتجفيف دوافع اللجوء إليه من خلال:

تسهيل الوصول للنقد الأجنبي للمستوردين والطلاب والمرضى عبر البنوك ودمج شركات الصرافة في المنظومة الرسمية بشفافية مع تقريب السعر الرسمي من الواقعي تدريجيا حتى تتقلص الفجوة تلقائيا.

كما وان إنشاء إحتياطي نقدي إستراتيجي وتفعيل أدوات التمويل من الضرورة بمكان حيث لا يمكن لأي سوق صرف أن يستقر دون غطاء كافٍ من النقد الأجنبي.

 إذن ماهو المطلوب ؟

-المطلوب إنشاء صندوق إستقرار العملة  يُموّل من حصائل الذهب والصادرات، مع تفعيل إتفاقيات مبادلة العملات مع دول الجوار وشركاء التبادل التجاري (السعودية، قطر، مصر، الصين). بالإضافة إلى ذلك يجب دعم آليات التمويل الإنتاجي عبر إنشاء سوق إلكتروني للتمويل التشاركي  بصيغة المضاربة أو المشاركة. إضافة لرأس المال الجريء الذي يستهدف المشروعات الصغيرة والمتوسطة والشركات الناشئة لزيادة قاعدة الإنتاج الحقيقي.

هذه الآلية تتيح للدولة هامش أمان في مواجهة الصدمات دون اللجوء إلى تمويل تضخمي.

*كيف يتحقق الاستقرار النقدي ؟

– ربط السياسة النقدية بالسياسة الإنتاجية وتوجيهها نحو الأولويات

الشاهد ان الاستقرار النقدي لا يتحقق بالإجراءات المالية وحدها، بل عبر زيادة العرض الحقيقي من السلع والخدمات.. فكل تحسن في الإنتاج المحلي ينعكس مباشرة على سعر الصرف والتضخم.

إذن المطلوب تكامل حقيقي بين البنك المركزي ووزارات الزراعة، الثروة الحيوانية، الصناعة، التجارة، الإتصالات والمعلوماتية، لتوجيه التمويل نحو الإنتاج وليس الإستهلاك، مع تحديد الأولويات التي تضمن أكبر عائد من النقد الأجنبي. وتتركز هذه الأولويات التي يتمتع فيها السودان بميزة نسبية على

القطاع الزراعي حيث يجب التركيز على الإنتاج بغرض التصدير ذي القيمة المضافة العالية، مثل الصمغ العربي المُصنَّع بدلا من الخام، والمحاصيل البستانية التي تستهدف أسواق الخليج وأوروبا، وزيادة مساحات السمسم والكركديه والتبلدي وفق المعايير الدولية.

وفيما يلي قطاع الثروة الحيوانية  يجب الإنتقال من تصدير المواشي الحية إلى اللحوم المُعالجة والمُعبأة لتضاعف حصيلة العملات الصعبة.

اما قطاع التعدين  فيتطلب إدارة أكثر صرامة وشفافية لإنتاج وتصدير الذهب لضمان تدفقه كاملا لخزينة الدولة وتحويله إلى إحتياطي نقدي إستراتيجي، بدلا من تهريبه أو تداوله خارج الإطار الرسمي.

كما  ويجب  التركيز في قطاع الصادرات غير المرئية (الخدمات القائمة على الكفاءات) على   تفعيل الإستفادة من الميزة التنافسية للسودان في تصدير الكفاءات.. ويمكن أن يتم ذلك عبر الإستقطاب الفعلي للطلاب الأجانب وضمان تحويل رسومهم بالعملة الصعبة  بجانب توقيع عقود حكومية منظمة لتصدير خدمات الأطباء والتمريض إلى الدول ذات العجز في هذه الكوادر، مما يضمن تدفق التحويلات بآلية رسمية وموثوقة.

 *الإستثمار في رأس المال البشري  كيف نستفيد  منه كأداة للتنمية ؟

– لا يمكن لأي برنامج إصلاح نقدي أو مالي أن ينجح دون توفر الكفاءات البشرية القادرة على تنفيذه والإشراف عليه.

إن تآكل الكوادر في المؤسسات السيادية، خاصة في البنك المركزي ووزارة المالية، يمثل أحد أكبر المخاطر على عملية الإصلاح. فيجب معاملة الإستثمار في رأس المال البشري، عبر التدريب المتخصص، وتوفير بيئة عمل محفزة، والحد من الهجرة المعاكسة للكفاءات، كأولوية قصوى وأداة تنموية بحد ذاتها. هذا الإستثمار يضمن ليس فقط إستدامة التوازن النقدي المأمول، بل يضمن أيضا القدرة على إستنهاض الإرادة الإقتصادية الشاملة التي تخرج بالبلاد من أزمتها الهيكلية.