العودة للعلم القديم… دلالات الهوية( السوداناوية)
- من قال إنها دعوة للانصرافية؟
- العلم زاوج بين الغابة والصحراء والنهر والبحر فكانت بلادي (عرب ممزوجة بدم الزنوج الحارة )
- لولا علم دولة 56 لما قدم دبكة (الهلباوي) مقترح الاستقلال ولما ثناه سهل (الكردافي المجنوني) ولما كان الأزهري رمزا للاستقلال
- مدرسة (الغالة والصحراء ) لو كتب لها البقاء لما سمعنا في مناطق النزاعات بمصطلحي (الزرقة والعرب)
تقرير – دكتور إبراهيم حسن ذوالنون:
طرح الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة الانتقالي القائد العام لقوات الشعب المسلحة في معرض حديث له مسالة العودة إلى علم السودان القديم.. العلم الذي رفعه السيد إسماعيل الأزهري رئيس مجلس السيادة ومعه زعيم المعارضة السيد ممدي أحمد محجوب في القصر الجمهوري ايذانا بإعلان السودان دولة مستقلة في 1/1/1956 بناءا على اقتراح إعلان الاستقلال من داخل البرلمان في يوم 19ديسمبر 1955م الذي تقدم به السيد عبدالرحمن دبكة نائب دائرة غرب نيالا (عد الغنم- عد الفرسان) أو دائرة البقارة الغربية كما تعارف على اسمها في تلك المناطق واثنى على الاقتراح السيد جمعة سهل نائب دائرة المزروب ريفي بارا.
تأييد ومعارضة (ولكن بحماس):
وكعادة السودانيين تناولت مواقع التواصل الاجتماعي الفكرة بحماس شديد( تأييدا ومعارضة) نتيجة مواققهم الشخصية والسياسية من السيد الرئيس عبد الفتاح البرهان وإن كان الأمر لا يحتاج لكثير حماس( تأييدا ومعارضة) وإنما يحتاج لنقاش عقلاني يسبر أغوار الفكرة وكان أحد الشباب وهو الأسمراني والذي أول مرة أعرف اسمه (محمد نور الدين) والذي اتابع (طلعاته الاسفيرية المميزة) والتي تعكس سعة افقه واطلاعه بالاضافة إلى انه يتحدث بلغة متماسكة تجنح نحو الأراء الصائبة تجاه ما يطرح من أفكار وأكثر ما يعجبني في أرائه التوسط والاعتدال إلا أن حديثه عن العودة إلى العلم القديم قد جانبه الصواب فانتقد الفكرة بحماس الشباب رغم اشاراته إلى أن تغيير العلم يحتاج لتدابير قانونية وتشريعية عبر برلمان منتخب ورئيس يمتلك التفويض الشعبي المسنود بانتخاب حر ونزيه وليس رئيس جاءت به ظروف انتقال سياسي من مرحلة إلى مرحلة.
الهوية (السوداناوية):

لا شك أن الحرب الماثلة قد لامست القضايا الأساسية التي ظل أهل السودان يبحثون فيها ولم يجدوا لها خيارات حلول منذ قرابة السبعين عاما ولعل أول هذه القضايا هو قضية الهوية السودانية (من نحن) إذ أن ازدواجية الانتماء الافروعربي خلقت لنا الكثير من الاشكاليات وإن كان من المفترض أن تكون هذه الازداجيية ايجابا وليس سلبا على مسيرة الوطن إذ أن الدول التي تشابهنا في الانتماء الافروعربي لم تواجهها مشكلة (مصر- ليبيا- الجزائر-تونس- المملكة المغربية- موريتانيا- جزر القمر- الصومال) ولكن يبدو أن موقع السودان المتوسط من الناحية الجغرافية بين الثقافتين (الافروعربية) قد أدى لتعقييد المشهد السوداني ونتيجة للحروب والنزاعات التي واجهت السودانيين ولم تزل تواجههم قد لعبت دورا في عدم حسم الجدل حولها برغم أن مجموعة أطروحات قد طرحت حولها إلا أنها لم تحسم نتيجة حالة الانقسامات السياسية التي لم تمكن مجموع أهل السودان من الجلوس في مائدة حوار وطني من أجل التوصل لصيغة جامعة تنتهي إلى تأسيس مشروع وطني يلتقي فيه كل أهل السودان في كلمة سواء من أجل النهوض بهذا البلد الذي تعثرت خطواته كثيرا برغم امتلاكه لأسباب النهضة.
البحث عن المشروع الوطني:

بتقديري أن المشروع النهضوي السوداني تنتظره الكثير من التحديات ولعل أهمها هو البحث عن الهوية الجامعة التي ستكون مدخلا للمشروع الوطني النهضوي لأن عدم الاتفاق على الهوية الوطنية يصعب من مهمة إعداد الرؤية الاستراتيجية للمشروع الوطني النهضوي وخلال السبعين عاما الماضية طرحت الكثير من الصيغ وكلها لم تفض إلى شئ لأنها اعتمدت على ارضاء مجموعات على حساب مجموعات اخرى فطرح الانتماء للأمة العربية لوحدها قطعا لن يرضي المجموعات الافريقية ذلك لأن بالسودان العديد من المجموعات السكانية التي لها انتماء افريقي من حيث السحنة والعرق واللغة والدين وهي من المكونات الأصيلة وفي نفس الوقت إن الانتماء للهوية الافريقية دون غيرها سيغضب الكثير من المجموعات التي لا تحتفي بأصلها العربي فحسب بل أن بعضها ينتابه إحساس بأنه ليس عربي فحسب بل إنه يتمتع بنقاء عرقي لا يتوفر لللآخرين وبالطبع أن هذا الاتجاه لا يلتقي مع الإسلام والذي جعل الانتماء إليه مبنيا على التقوى وليس على اللون أو العرق أو الجهة (إن اكرمكم عند الله اتقاكم) لذا من الضروري أن يبنى المشروع الوطني السوداني على أساس هوية جامعة.. واعتقد ان تفرد السودان من حيث الموقع والتداخل بين المجموعات السكانية والانتماء المزدوج للعرب وافريقيا في آن واحد وغالبية أهله يدنيون بالاسلام مع وجود من يدين بالمسيحية والديانات والمعتقدات الاخرى علاوة على وقوع السودان في الحزام الفاصل بين الإسلام والمسيحية وبين العرب وغير العرب مما يعني ضرورة أن يكون الانتماء مزاوجا لكل ذلك حيث طرح بعض المفكرين منذ عقد الثمانيات من القرن الماضي (البروفسير محمد عمر بشير والبروفسير أحمد الطيب زين العابدين ) ثم الدكتور جون قرنق قبل رحيله بسنوات من خلال مشروع السودان الجديد ما يعرف ب(السوداناوية) وحتى اتفاقية السلام 2005م في نيفاشا قد نحت نفس المنحى وإن لم تسم المسألة بذات الاسم وكذلك هناك كثير من الوثائق قد تبنت الفكرة ولكنها لم تجرؤ على تسميتها بذلك (مؤتمر الحوار الوطني حول قضايا السلام 9سبتمبر 21 اكتوبر1989م الخرطوم ثم مؤتمر اسمرا للقضايا المصيرية بالاضافة لأطروحات الإمام الراحل الصادق المهدي وحتى وثيقة ميثاق السودان التي طرحتها الجبهة الإسلامية القومية بقيادة الدكتور الراحل حسن الترابي في النصف الثاني من ثمانيات القرن المضي قد طرحت ما يشابه هذه الأطروحة.
العلم والهوية المفقودة:

علم السودان السابق ليس فيه دعوة للانصرافية بل قد عبر بوضوح عن التنوع الموجود في السودان وذلك من خلال ألوانه الثلاثة حيث اللون الأزرق يرمز لنهر النيل بروافده وفروعه واللون الأخضر يرمز للزراعة والسودان غني بموارده الزراعية الوافرة واللون الأصفر يرمز للصحراء وفي الصحراء توجد ثروات حيوانية مهولة وفيها ثروات باطن الأرض التي تما اكتشافها الآن ..الذهب- الفضة- البترول- الحديد النحاس- والثلاثة أنواع فيها هوية السودان السوداناوية التي تزاوج بين الإنسان السوداني المتعدد من حيث سحنات سكانه عرب أفارقة نوبة بجه بني عامر.. وموارده المهولة التي توزعت بين الغابة(الزراعة) والصحراء(الثروات الزراعية والمعدنية) وتغذيها مياه النيل بروافده وفروعه وكل الأودية الموسمية وقد تشكل لوحة الهوية السودانية الجامعة فكانت الألوان الثلاثة دالة على تلك الهوية ولما تمازجت مع الإنسان صنعت منه صيغة التراضي السوداناوي والذي عبرعنه الشاعر الراحل إسماعيل حسن (سماعين ود حدالزين) الذي قال(بلادي أنا عرب ممزوجة بدم الزنوج الحارة ديل أهلي) وعبر عنها قبله الشاعر الدبولماسي يوسف مصطفى التني لما تنزل شعار السودان للسودانيين في (في الفؤاد ترعاه العناية) تلك القصيدة التي فيها كل الأجندة السودانية الوطنية وعبرت عنها مدرسة الغابة والصحراء البروفسير الراحل محمد عبدالحي والبلوماسي الراحل محمد المكي إبراهيم والأستاذ النور عثمان أبكر غيرهم حيث قال محمد عبدالحي في العودة إلى سنار:
الليلة يستقبلني أهلي
أهدوني مسبحةً من أسنان الموتى
إبريقاً جمجمةً
مصلاة من جلد الجاموسْ
رمزاً يلمع بين النخلة والأبنوسْ
لغةً تطلعُ مثلَ الرّمحْ
من جسد الأرضِ
وعبَر سماء الجُرحْ
الليلة يستقبلني أهلي
وكانت الغابة والصحراءْ
إمرأةً عاريةً تنامْ
على سرير البرقِ في انتظارِ
ثورها الإلهي الذي يزور في الظلامْ
وكان أفق الوجه والقناع شكلاً واحداً
يزهر في سلطنة البراءة
وحمأ البداءةْ
على حدودِ النورِ والظلمةِ بين الصحوِ والمنامْ .
وعبرعنها الدبلوماسي الشاعر الراحل محمد المكي إبراهيم في (الخلاسية)
الله يا خلاسيه
يا حانةٌ مفروشةٌ بالرمل
يا مكحولة العينين
يا مجدولة من شعر أغنية
يا وردة باللون مسقيّه
بعض الرحيق أنا
والبرتقالة أنت
يا مملوءة الساقين أطفالا خلاسيين
يا بعض زنجيّه
يا بعض عربيّه
وبعض أقوالي أمام الله