آخر الأخبار

المحبوب عبد السلام والحركة الإسلامية… نقد الفكرة أم نقد الممارسة؟ (1)

علي أحمد دقاش

*لقد نبهني الدكتور أمين حسن عمر بمقالاته الناقدة للدكتور المحبوب عبد السلام والتي نشر منها حتى الآن خمس مقالات نبهني لضرورة الإستماع إلى أفكار المحبوب والتعليق عليها هذا رغم أن الساحة السودانية الآن مشغولة بالحرب الدائرة والتي استهلكت جزءا كبيرا من الرصيد البشرى السوداني إذ أصبحت محرقة للرجال فضلا عن تبديد الموارد وتدمير البنيات التحتية وخلق ازمة إقتصادية ونذر فتنة اجتماعية داخلية ، رغم هذا كله أرى ضرورة التعليق على المساجلات الفكرية التي تدور والافكار التي تطرح وذلك لأسباب نذكر منها ثلاثة:
*الأول : المساجلات الفكرية وخاصة تلك التي تتناول قضية الحركة الإسلامية والإسلام السياسي ونقد الإسلاميين هي في الحقيقة جزء من المعركة الشاملة ضد السودان والتي تحركها جهات عديدة داخلية وخارجية ذات غرض في ذلك.
*الثاني : أنا أصلا ضد العقلية الارجائية التي تؤجل قضايا هامة بحجج عديدة منها عدم مناسبة الظرف الزمني او إيراد زرائع أخرى مختلفة.
*الثالث : د.المحبوب عبد السلام ليس بالرجل الذي تهمل اراؤه ولا يلقي لها بالاً فهو أستاذ للدراسات الإسلامية في الجامعات ومختص في الفلسفة وعلم الاجتماع وشاهد على مراحل هامة مرت بها الحركة الإسلامية ، تتلمذ على منظرها ومرجعيتها الفكرية الشيخ الراحل الدكتور العلامة حسن عبد الله الترابي وصاحبه لفترة زمنية طويلة.
*قلت في تعليقي على مقالات د أمين حسن عمر إن العدالة والإنصاف لدكتور المحبوب عبد السلام تقتضيان الإنصات لما يقول وقراءة ما يكتب قبل الرد والتعليق على آرائه الفكرية المطروحة ومن السذاجة ان ننساق وراء العواطف ونتذرع بالمعركة العسكرية الدائرة والعدوان على السودان فنرد ردا هتافيا يجانب التروي والدراسة الهادئة للآراء المطروحة والنقد الموجه للحركة الإسلامية.
*اريد من خلال هذا المقال ان أعلق على اللقاء الذي أجراه ربعي سراج في السودان بوداكاست حلقة الخامس من أغسطس 2025 وكان موضوعه الأساسي هو الإجابة علي السؤال:
هل عجزت الحركة الإسلامية عن إنتاج فكر معاصر ؟ وهل أدى فشلها في فهم الواقع السوداني إلى عزلتها السياسية ؟وهو اللقاء الذي اقتطف منه دكتور أمين الجزئية المتعلقة بالشمولية.
*في هذا اللقاء خلط المحبوب بين نقد أصل الفكرة وبين نقد الممارسة العملية للحركة الإسلامية من خلال توليها الحكم لمدة ثلاثين عاما ، بدأ المحبوب بالسردية التاريخية وتحدث عن نشأة الحركة الإسلامية بواسطة الامام حسن البنا والتقاطعات الأساسية بين الرواد الأوائل وفكرة التنظيم الدولي الذي عارضه اخوان السودان وظلوا متمسكين بمعارضتهم وتميزهم مع تجنب المواجه مع التنظيم الدولي.
*اخطر ما قاله المحبوب في هذا اللقاء انتقاده لفكرة الشمول التي تبنتها الحركة الإسلامية حيث قال بالنص في هذا اللقاء:
من أكثر الأفكار خطورة ومنافاة للعصر هي فكرة الشمولية التي تتبناها الحركة الإسلامية وهي أن أطروحة واحدة يمكن ان تكون شركة تجارية وفريقا رياضيا، دينا ودولة ، سيفا ومصحفا، طريقة صوفية ومذهبا فقهيا، فالشمول الذي يعتبر اميز أفكار الحركة الإسلامية هو اخطر افكارها الذي حاصرها عن مواكبة العصر.
*هذا هو بالضبط ما قاله المحبوب وهو ليس انتقادا للحركة الإسلامية بل إنتقاد للاسلام نفسه فالشمول هو اهم مميزات المنهج الإسلامي ، الإسلام عكس الكنيسة والعلمانية لا يفصل بين الدين ومناشط الحياة الأخرى ، لا يحصر الدين في المسجد ويترك جوانب الحياة الأخرى بلا دين، الدين في المفهوم الاسلامي شامل لكل جوانب الحياة ، تعاليم الدين الإسلامي هادية لكل البشر، الشمول الذي تبنته الحركة الإسلامية هو اصل من اصول الإسلام ، إذ يجب ان يتمثل المسلم الدين في كل سلوكه و حركته في الحياة بل هو امر من الله للرسول وللمسلمين.
*في سورة الانعام وهي من السور المكية المبهرة هناك 44 امرا وخطابا للرسول (ص) يبدأ بكلمة قل أولها الآية في 11
(قُل سيرُوا في الأرض ثم انظُرُوا كيف كانت عاقبةُ المكذبين) وآخرها الآية 162 من نفس السورة (قُل إن صَلَاتي ونُسُكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين * لا شريك له وبذلك أمرتُ وانا أولُ المسلمين ) في الآية الأولى دعوة للاستفادة من تجارب الأمم المختلفة وعدم الانغلاق والانكفاء على الذات وهذه صورة من صور الشمول ، في الآية الثانية بيان واضح لشمولية الإسلام فكيف ينتقد المحبوب شمولية الإسلام ويعيب على الحركة الإسلامية تبني مبدأ الشمولية اليس ذلك هو عين طرح العلمانية ؟ محاصرة الإسلام في المسجد فقط ليس من المنهج الإسلامي ، هل يريد المحبوب اسلاما بلا اسنان ومخالب وعاجزا عن رد العدوان الذى يقع عليه؟ وبنفس المنطق في نفس الحلقة علق المحبوب على فكرة الشريعة او الإصلاح القانوني وفق منهج الإسلام والحاكمية بمعنى ان ترد الحياة كلها لله في السياسة والاقتصاد والاجتماع و قال معلقا : (هذا زعم كبير فان اللحظة الحضارية لم تكن تسمح ان تحدث حاكمية بهذا المعنى).
*هذه هي إحدى نقاط اختلافي مع المحبوب واحد أسباب احتفاء العلمانيين بتصريحات المحبوب فقد ظللت اتلقى مشاركات عديدة لهذه التصريحات يرسلها زملاء يخالفون الحركة الإسلامية الرأي وهم لا يخفون الشماتة والانتشاء الناتج عن انتقادات المحبوب للحركة الإسلامية.
*قال المحبوب ان الحركة الإسلامية عاجزة عن إجراء مراجعات لتجربتها خلال ثلاثين عام لانها لا تملك أدوات لعمل تلك المراجعات وكأنما المطلوب هو الجهر بالمراجعات ونشر النقد الذاتي ، الحركة الإسلامية تجربة بشرية لتطبيق الإسلام قابلة للخطأ والصواب وعضوية الحركة الآن اكثر وعيا بأسباب سقوط حكمهم ويدركون ان الإنقاذ ما كانت لتسقط لولا تكالب قوى خارجية وحدوث فتنة داخلية ،لقد راجعت أسباب السقوط فنحن امة تنضجنا التجارب ولا تقهرنا التحديات والمشاكل نؤمن انه إن مسنا قرحُ فقد مس القوم قرحُ مثله والله يداول الأيامَ بين الناس وإن شاء الله سننهض بعد السقوط.
*اختم مقالي هذا بالقول بأن المحبوب قد أورد في الحوار الذي اجراه ربعي سراج كثيرا من الحقائق المفيدة لكنه خلط عملا صالحا وآخر سيئا وخدم كثيرا من أعداء الحركة الإسلامية وخصومها ومع ذلك اعترف في آخر حديثه ان الحركة الإسلامية تملك طاقة جبارة يمكن توظيفها في العمل السياسي كحزب او في المجتمع المدني من خلال العمل الطوعي وهذا هو ما تقوم به الحركة الإسلامية الآن ولا يريدها الكثيرون ان تنجح في ذلك أما هل المحبوب موظف من آخرين لنقد الحركة الإسلامية فقد تحدث فيه امين حسن عمر وهو نديده ويعرفه اكثر مني ولا داعي للتكرار فانا اعلق على اقوال محددة.