ماذا تريد دول الجوار من السودان؟ دوافع الدعم الخفي والمعلن للمليشيا
د. ميمونة سعيد آدم ابو رقاب*
تتشكّل مواقف دول الجوار من الأزمة السودانية، سواء بالدعم الصريح أو الموارب للمليشيا، وفق شبكة معقدة من المصالح الجيوسياسية والأمنية والاقتصادية. فالسودان، بموقعه الاستراتيجي وموارده الطبيعية وحدوده الواسعة، ظلّ ساحة جذب لتدخلات إقليمية تبحث عن النفوذ وتأمين المصالح وخلق توازنات جديدة في المنطقة.
تتمثل أولى تلك المصالح في البعد الأمني؛ إذ تدرك بعض الدول أن وجود دولة سودانية قوية يعني جيشًا منظمًا قادرًا على ضبط الحدود وكبح التهريب والهجرة غير الشرعية، بينما ترى أخرى في ضعف الدولة فرصة لإعادة تشكيل مجال نفوذها عبر دعم مليشيا يمكن السيطرة عليها واستغلالها في المناطق الحدودية.
أما المصالح الاقتصادية، وخاصة الذهب والأراضي الزراعية، فهي من أكبر دوافع التدخل. بعض الدول تسعى إلى ضمان وصولها لهذه الثروات عبر التحالف مع قوى غير رسمية تمنحها امتيازات لا يمكنها الحصول عليها في ظل دولة مستقرة وقانون قوي.
على الصعيد الجيوسياسي، تحوّل السودان إلى مساحة للمنافسة بين القوى الإقليمية والدولية، حيث يُستخدم دعم المليشيا كورقة ضغط لإبقاء البلاد داخل دائرة النفوذ، سواء للتحكم في الموانئ، أو التأثير على البحر الأحمر، أو إدارة النفوذ العسكري والاقتصادي.
وفي مقابل ذلك، تقف الدول المتوشحة بالثوب الرمادي؛ تلك التي لا تعلن موقفها صراحة لكنها تعمل على إدارة الأزمة لا حلها. فهي لا ترغب في انتصار حاسم لأي طرف، بل في بقاء الوضع معلّقًا بما يحفظ مصالحها الأمنية والاقتصادية، ويتيح لها التوسع عبر الشركات الأمنية والعمليات الاستخباراتية.
وسط هذه الفوضى يبقى الجيش السوداني هو صمّام الأمان الوطني. فهو المؤسسة الوحيدة التي ما تزال تمتلك بنية تنظيمية تمكنها من حفظ بقاء الدولة ومنع تفككها، وفي انتصاره بقاء السودان موحدًا. ومن هنا تأتي ضرورة دعم الجيش ومساندته في معركته لحماية الدولة، فإضعافه لا يعني سوى انزلاق البلاد نحو سيناريوهات أكثر خطورة.
كما أن التماسك الداخلي والسند الشعبي يمثلان الدرع الثاني الموازي للجيش. فالمعركة الدائرة ليست فقط معركة عسكرية، بل هي معركة وعي ووحدة وطنية. كلما كان المجتمع متماسكًا، تراجعت قدرة الأطراف الخارجية على استغلال الانقسام أو تمرير أجنداتها داخل السودان.
في النهاية، ما تريده بعض دول الجوار ليس استقرار السودان بالضرورة، بل استقرار مصالحها فيه. لكن ما يريده السودانيون هو الحفاظ على دولتهم، ولا يتحقق ذلك إلا عبر جيش قوي، ووحدة شعبية، وموقف وطني صلب.