آخر الأخبار

وميض الخلود

 

لمياء موسى

*كلُّ سعادةٍ تشرقُ في القلب، وكلُّ خوفٍ يغيبُ في العتمة،كلُّ قلقٍ يأتي كغيمةٍ عابرة، وكلُّ ضحكةٍ تمضي كنسمةٍ دافئة.. تسافرُ أنفسُنا بين النور والظلام،تبحثُ عن معنى وجودها، وتفتّشُ عن ملامحها الأولى..وحين تبلُغُ جوهرَها الأبدي، تسكنُ… وتعرفُ أنّها كانت، وما زالت، وستبقى – كلَّ ما كان، وكلَّ ما سيكون

تحيّةٌ صادقةٌ من القلب إلى قرّائي الأعزّاء.

*لطالما تسلّلت فكرةٌ بعينها إلى أعماق تفكيري، واستوطنت زوايا روحي، حتى صارت جزءًا من تأمّلاتي اليومية وأسئلتي الصامتة. حاولتُ مرارًا أن أقترب منها، ولم أدّعِ يومًا أنّي امتلكتُ أسرارها، لكن خطواتي المتواضعة منحتني لمحةً عن أطرافها وسرّها الخفي.

*واليوم، أفتح معكم هذه الرحلة الفكرية، لنغوص معًا في معانيها، ولنتشارك الرؤى والتأمّلات، علّنا نجد في انعكاسات الفكر والخيال فهمًا أعمق للحياة والعالم.. إنّه ما أحبّ أن أسمّيه فلسفةَ الأعمار.

*ولا أعني بها ذلك العمر المألوف للإنسان الذي ينتهي بالموت وتواري الجسد، بل ما كانت تردّده جدّتي دومًا بصفاء الحكمة: (لكلّ شيءٍ عمرٌ يا ابنتي).

*فهل حقًّا لكلّ موجودٍ أجلٌ مقدَّر؟

سواء أكان مادّةً يراها البصر، أم معنىً خفيًّا تدركه الروح، أم طاقةً غير مرئيّة تلامس أعماقنا دون أن نعيها؟

فهناك أعمارٌ تمتدّ على مساحاتٍ واسعةٍ من الزمن، تتّسع لسنواتٍ طوال، كما هو حال الإنسان وبعض الكائنات الراقية التي تُقاس أعمارها بالسنين.

*لكن ما إن ننزل درجات السلّم إلى أسفل مدارج الخلق، حتى نجد أنفسنا أمام كائناتٍ دقيقةٍ لا تُرى إلا بالمجهر، ولا يُقاس عمرها إلا بالساعات أو الدقائق، وربّما ثوانٍ معدودة.. بل إنّ داخل الجسد البشري ذاته تنبض حيواتٌ لا تُحصى، لكلٍّ منها عمرها الخاص، تولد وتموت وفق قانونٍ خفيٍّ دقيق.

*من خليةٍ تنقسم وتنقضي، إلى فكرةٍ تولد في لحظة إشراقٍ وتنطفئ في لمح البصر، تاركةً خلفها أثرًا خافتًا في زاويةٍ من زوايا الذاكرة.. لنرتقِ قليلًا إلى عوالم المشاعر، ذلك الكيان اللامرئي الذي يتولّد من تفاعل الفكر مع خفقات الجهاز العصبي. هذا الكيان الخفيّ يمنحنا أعمارًا متجدّدة كلّ يوم، بل كلّ ساعة، فنشهد ميلاد السعادة التي تشغل بالنا جميعًا، ونسعى خلفها بمختلف السبل، المشروعة منها وغير المشروعة.

*غير أنّ السعادة نفسها ليست سوى كائنٍ له عمرٌ محدود، يولد أمام أعيننا، يبلغ ذروته فنغمره ونغتسل في وهجه، ثم نراقب أفوله بصمتٍ ودهشة.. وما إن تموت السعادة حتى يُبعث الخوف، يتسلّل إلى أعماقنا، يُضعف قوانا، ثم تذوي جذوته، لنرى الحزن ينهض من بين الرماد، يأسر قلوبنا  إلى أن يحين أجله هو الآخر، فيفسح المكان للقلق كي يعتلي العرش المؤقّت لعقولنا فينهكها.. وحين يشيخ القلق ويموت، يولد من رماده شكٌّ جديد، يسجننا داخل دوّامته، قبل أن يرحل بدوره ليفسح الطريق مجدّدًا لولادة السعادة

وهكذا تستمرّ دورة المشاعر أعمارًا تتعاقب، تولد وتموت كما لو كانت كائناتٍ من لحمٍ ودم، تُثبت لنا أنّ الحياة في داخلنا لا تعرف سكونًا ولا خلودًا، بل تجدّدًا لا ينقطع.

*كلُّ هذا التعاقب بين موتٍ وحياة -وإن كنتُ في داخلي أتحفّظ على كلمة (الموت) – إلا أنّنا لنتّفق عليها اصطلاحًا، بوصفها رمزًا للاختفاء كما اعتادت عقولنا أن تدركه. يحدث ذلك أمام أعيننا في كلّ يوم، ونحن شهودٌ عليه في صمتٍ عجيب.

*حتى نبلغ مقام الخلود… ذاك الاطمئنان العميق، وتلك السكينة المضيئة، وذلك الفرح الذي لا يُولد ولا يموت، لأنّه يسكن في أعمق أعماقنا منذ أن تشكّلت أوّل خليةٍ فينا.. إنّه الحضور الأبديّ، الموجود أبدًا ودائمًا، لا يغيب ولا يتحوّل، لا يبدأ ولا ينتهي، لأنّه ببساطةٍ خالدٌ فينا، شاهدٌ على تماهينا مع دورة الحياة والموت في جسدنا الماديّ الشعوري، وعلى أدوارنا المتعدّدة في مسيرة الوجود.. غير أنّ سؤالًا ظلّ يستوقفني طويلًا

لماذا لا نشعر بهذه الطاقة في أعماقنا؟

ولماذا نظلّ نتقلّب بين حيواتٍ وموتاتٍ متعاقبة لا تهدأ؟.

 

*أليس السبب، ببساطةٍ، أنّنا فقدنا الاتصال بجوهرنا الداخلي؟

لهذا لا عجب أن يظلّ ذلك الجوهر يبحث عنّا كما نبحث نحن عنه، في رحلةٍ أبديّةٍ بين الضياع والعودة، بين الفقد واللقاء، علّنا في لحظة صفاءٍ نسمع صوته من جديد، يهمس لنا بأنّ الخلود لم يكن يومًا بعيدًا عنّا.

*عندما تدرك أخيرًا أنّك لست عقلك، ولا أفكارك، ولا مشاعرك المتقلّبة، ولا حتى دورك في هذه الحياة، أيًّا كان شكلُه أو مسمّاه، حينها يفتح أمامك فراغٌ هائل، كأنّ عضوًا قد انتُزع من جسدك، تاركًا خلفه صمتًا مهيبًا ومخيفًا. ولا يوجد في قلب هذا الفراغ غير سؤالٍ يرفرف بجناحيه، ويُصدِر هديرًا لا يهدأ: من أنا؟ ومع هذا الخوف المصاحب للفراغ، هناك خياران أن تلتصق بسرعة بعقلك، وتهرب من هذا الصمت، وتعود إلى نظام الأدوار من جديد؛ فهو مريحٌ للعقل الذي لا يعرف الحياة إلا من خلال التصنيف والمقارنة.. أو أن تُلقي بنفسك داخل الفراغ، وتثق بقدرة نفسك النقيّة على معرفة مدارها، لتدور حول جوهرها من جديد، يرشدها الضوء الداخليّ للطاقة الذكيّة التي تعمل داخلك بلا كلل، حتى حين يغفو العقل الواعي

لكن هذه الرحلة شاقّة، أعزّائي القرّاء، وعميقة، تحتاج صبرًا وإصرارًا، ولا ينالها إلا من أُوتي العزم. ولا عجب أن كلّ نبيٍّ كانت له خلواته وصيامه؛ فقد ذُكر أن رحلة موسى عليه السلام استغرقت أربعين ليلة، ناهيك عن رسول الله محمّد ﷺ وخلوته بغار حراء أيّامًا وليالي لا نعرف عددها.

*لذلك، لا عجب أن ترى الرهبان والزهاد والمتصوّفة اليوم يلجؤون إلى العزلة الطويلة، يختلون بأنفسهم في كهفٍ أو محرابٍ روحيّ، علّهم يبلغون تلك اللحظة الفاصلة: لحظة الاتصال بالجوهر الحقيقيّ الكامن فينا وحين يتحقّق ذلك، وهم ما زالوا خاضعين لقوانين الزمان والمكان، لا يعودون كما كانوا، بل يخرجون إلى دنيانا مختلفين، وقد تبدّلت رؤيتهم للعالم.

*تمرّ بهم مواقف الحياة، من جميلها البهيج إلى قبيحها المؤلم، فيشهدون ميلاد المشاعر وموتها وهم مطمئنّون راضون، كأنّهم شهودٌ لا أسرى فنُعجب من رباطة جأشهم وسكون فؤادهم لذلك كان سرّهم بسيطًا،

بسيطًا كلمسة ضوءٍ على صفحة الماء، لكنّه عميقٌ كصمتٍ قديمٍ يسكن الجبال. لقد ارتووا من النبع الذي لا يغيض، ولا تعرفه المواسم ولا الفناء. هناك، حيث تهدأ العواصف في صدورهم، وحيث يخرج النور من جرحٍ قديمٍ ليضيء الطريق،تذوب المخاوف، ويصفو الوجود كمرآةٍ نُقّيت من الغياب

لذلك، لا غرابة أن تتحدّث كلّ ديانةٍ عن البعث بعد الموت والنعيم المقيم، مصوّرةً لأتباعها سكينةً وأمنًا وفرحًا في عالمٍ آخر، لأنّ الحقيقة تنكشف حين يموت الوهم، وحين يكفّ العقل عن خداعنا وإيهامنا بأنّنا مجرّد أدوارٍ عابرةٍ في مسرح الحياة.

*كاتبة مصرية مقيمة في لندن