
السودان الذي أُريد له أن يُمحى والواجب الذي لا يحتمل التأجيل
أ. د. طه عابدين طه
*من خلال زيارتي للخرطوم بعد تحريرها، والتجوال في معظم أحيائها ومبانيها ووزاراتها، تبيَّن لي ـ بيقينٍ لا يداخله شك ـ أن ما جرى لم يكن مجرّد محاولة لتغيير نظام، ولا اختطاف دولة، بل كان مشروعًا متكاملًا لتدمير السودان، وكسر قدرته على النهوض، حتى لا تقوم له قائمة في المدى القريب.
*والشواهد على ذلك كثيرة، دامغة، تنطق بها الجدران قبل الألسن، ومن أبرزها:
*أولًا: التدمير الممنهج للوزارات والمباني الحكومية، نهبًا وحرقًا، حتى غدت هياكل صامتة تشهد على حجم الجريمة وسوء نية فاعليها.
*ثانيًا: تدمير البنوك والشركات والمؤسسات والمصانع والمحلات التجارية، ونهب محتوياتها، في استهدافٍ مباشر لاقتصاد البلاد، ودفعٍ مقصود نحو الفشل والانهيار.
*ثالثًا: تدمير قطاع الكهرباء بالكامل؛ بحرق المحطات، ونهب الكيبلات، وتكسير المحوِّلات، في سعيٍ واضح لإغراق البلاد في الظلام، وتعطيل مقومات الحياة.
*رابعًا: حرق وتخريب الأبراج الحديثة والفنادق، كبيرة كانت أم صغيرة، في استهدافٍ فجٍّ لمعالم العمران، ومظاهر الحياة الجميلة.
*خامسًا: تدمير الجامعات، ونهب معاملها، وحرق قاعاتها ومكاتبها، وتركها في أسوأ حالٍ تشهده العيون، ولم يكن حال المدارس بعيدًا عن هذا المشهد الكئيب، في مسعىً لزرع الجهل في الأجيال القادمة.
*سادسًا: الاعتداء على المساجد، لا سيما العتيقة منها، ونهب محتوياتها، حتى بلغ الأمر سرقة الفرش ومكبِّرات الصوت، ولم تسلم الكنائس من هذا العبث، بما يكشف عن مستوى الانحطاط لدى من لا يعظِّمون لله حرمة، ولا للإنسان كرامة.
*سابعًا: تدمير المستشفيات والمراكز الصحية، ونهب الأجهزة الطبية الباهظة، وترحيلها إلى جهات مجهولة، حتى تُرك المرضى يموتون في الطرقات، بلا دواء ولا إسعاف.
*ثامنًا: سرقة بيوت المواطنين بصورة صادمة، بلغت في بعض الحالات نزع أسقف المنازل، واقتلاع الأسلاك، وسرقة المصابيح من الجدران، بما جعل عودة الناس إلى الحياة الطبيعية أمرًا بالغ المشقة.
*تاسعًا: كسر الروح المعنوية للشعب عبر القتل الممنهج للرجال والنساء والأطفال، والعزّل من المدنيين، في جرائم يشيب لها الرأس، وتستدعي لجنة وطنية عليا لحصرها وتوثيق فظائعها.
*عاشرًا: أما جرائم الاغتصاب، وممارسة أبشع صور العنف، فهي فصول سوداء تعجز الكلمات عن وصفها، ويقصر القلم عن الإحاطة بها.
*ومن خلال لقاءاتٍ سريعة، وشهاداتٍ مباشرة من الموجودين، تبيَّن أن أسماء المشاركين في هذا الفساد معروفة لدى كثيرٍ ممن بقوا من السكان، وأن حجم الدمار لا يمكن أن يكون قد تمّ إلا بمشاركة أعداد هائلة من الناهبين والمفسدين، يُقدَّرون بما لا يقل عن مليون مشارك، لا يزال بعضهم بيننا، ولا تزال المنهوبات في بيوتهم، ويُتاجر ببعضها في الأسواق؛ إذ لم يرحل كل ما سُرق، بل بقي معظمه، وبعضه دُفن وأُخفي.
*وبناءً على ذلك كلِّه، فإن الحرب ـ في تقديري ـ لا تنتهي بتحرير آخر بقعة من أرض السودان، بل تبدأ بعدها معركة أشدّ: معركة العدالة، والبناء، واستعادة الدولة.
*وهي معركة تتطلّب إجراءاتٍ حاسمة، وخططًا مدروسة، ولجانًا فنية متخصصة، من أهمها:
*أولًا: فتح محاكم متعدّدة، وتقديم كل من ثبتت مشاركته في الفساد أو الإجرام إلى العدالة، دون أي اعتبارٍ قبلي أو جهوي؛ فالفساد لا وطن له ولا لون.
*ثانيًا: إيقاف بيع المنهوبات في الأسواق فورًا، ومصادرتها، فما عرف صاحبه فهو له وإلا فهو لصالح الدولة، تُوجَّه عائداتها لإعادة بناء البنية التحتية، إذ يصعب في هذا الظرف على الأفراد تمييز ممتلكاتهم المنهوبة.
*ثالثًا: تقنين الوجود الأجنبي، لا سيما الجنسيات التي ثبت تورّطها أو مشاركتها في هذه الحرب.
*رابعًا: اضطلاع الدولة بمسؤوليتها الكاملة في إعادة تأهيل قطاعات الكهرباء، والصحة، والتعليم، والمياه، لتمكين المواطنين من العودة الآمنة إلى حياتهم الطبيعية، وهي تبذل في ذلك جهدًا مقدَّرًا.
*خامسًا: التعامل بأقصى العقوبات الرادعة مع الظواهر الإجرامية المتبقية التي لا تزال تهدّد أمن البلاد واستقرارها.
*سادسًا: تكوين لجان مجتمعية في الأحياء لضبط الأمن، وتعزيز الرقابة، وحسم الظواهر السالبة فالأمن مسؤولية الجميع.
*سابعًا: إدخال مادة تعليمية وطنية تُعزِّز الوحدة الوطنية والسلم المجتمعي، يضعها خبراء مختصون، لتكون لبنةً في بناء الوعي، وضمانةً لعدم تكرار المأساة.
*إن ما جرى جرحٌ عميق في جسد الوطن، وتجاوزه ممكن بإرادةٍ صلبة، وعدالةٍ صارمة، وعملٍ وطنيٍّ جامع.. فالسودان يستحق أن يُبنى من جديد، لا أن يُترك رهينةً لآثار الخراب.