
لآلئ بأقلامهم (33) (لاعب الشطرنج ) للكاتب النمساوي ستيفان زفايغ (ي)
صمت الكلام
فائزة إدريس
*لن أستطيع أبداً أن أحدد ولو على وجه التقريب عدد الأدوار التي لعبتها ضد نفسي في زنزانتي في هذه الشهور الأخيرة مدفوعاً بنهم جنوني ربما تصل إلى ألف، ربما أكثر من ذلك، كنت كالممسوس فاقداً للسيطرة.
*من الصباح حتى المساء لا أفكر إلا في الفيل والبيدق والطابية والملك والخطوط أوب وج و(مات الملك) والتحصين، وكل كياني وحواسي كانت تغوص في رقعة المربعات تحول اللعب من بهجة إلى لهفة ثم انقلب إلى هوس كاللوثة العقلية أو غل مسعور، كما بدأ يتغلغل تدريجياً من ساعات اليقظة إلى ساعات النوم. لم يعد بإمكاني التفكير سوى في الشطرنج، في حركات الشطرنج ومشكلات الشطرنج، وأحياناً أستيقظ والعرق يتصبب من جبيني فأعرف أنني استمررت في اللعب دون أن أدري وأنا نائم، وحتى إذا ظهر لي أناس في الحلم أجدهم يتحركون كالفيل أو الطابية إلى الأمام أو الخلف في قفزة الحصان.
*حتى عندما كانوا يستدعونني للاستجواب لم أعد أستطع أن أركز في مسئولياتي وشعرت في الجلسات الأخيرة.
*أن إجاباتي أربكت المحققين حتى إنهم أحياناً تبادلوا فيما بينهم نظرات فيها شيء من الاستغراب. أما أنا فى الحقيقة أترقب بتهافت لعين – وهم يطرحون علىّ الأسئلة ويتشاورون أن يقودوني مرة أخرى إلى زنزانتي لاستكمل لعبتي المجنونة، وألعب جولة أخرى ثم أخرى ثم أخرى.
*وأي انقطاع- حتى لربع ساعة والحارس يقوم بترتيب الغرفة أو لدقيقتين وهو يأتي بالطعام – كان يزعجني ويمتحن صبري. أحيانا كان يظل طبق الطعام حتى المساء دون أن ألمسه لأن اللعب شغلني عن الأكل.
نهاية المداد:
إني لأقرأ ما كتبتِ فلا أرى
إلا البرودة والصقيع المفزعا
عفويةً كوني وإلا فاسكتي
فلقد مللت حديثك المتميعا
حجرية الإحساس لن تتغيري
إني أخاطب ميتاً لن يسمعا
ما أسخف الأعذار تبتدعينها
لو كان يمكنني بها أن أقنعا
(نزار قباني)