من نهب آثارنا السودانية؟ (3)
- إختفاء مومياوات لملوك حضارتي مروي وكرمة من المتحف القومي
- المليشيا تدمر متحف السلطان علي دينار بالفاشر تدميرا كاملا
- نجاة 30 مليون وثيقة بدار الوثائق القومية من النهب والدمار بواسطة المهاويش
- نهب مئات المخطوطات والوثائق الإسلامية التاريخية ومراسلات واوراد الإمام المهدي من متحف بيت الخليفة
تحقيق ــ التاج عثمان:
ما تعرضت له الآثار السودانية من نهب وتدمير بواسطة مليشيا آل دقلو الإرهابية وغيرهم من لصوص الآثار المحليين والأجانب لم يحدث من قبل في العالم.. آلاف القطع الأثرية التي لا تقدر بثمن نهبت من المتاحف السودانية وتم عرضها وبيعها لشبكات تجارة الآثار عبر الإنترنت بتراب الفلوس.. على هامش الفعالية المهمة التي نظمتها وزارة الثقافة والاعلام والسياحة بقاعة (الربوة) ببورتسودان الثلاثاء الموافق 13 يناير الجاري بهدف الكشف عن عدد كبير من الآثار السودانية المستردة ننشر هذا التحقيق الاستقصائي الذي يكشف ويجيب على سؤال هام هو: (من نهب آثارنا السودانية)؟
متحف بيت الخليفة:

بجانب ما إستعرضناه من خلال الحلقة الثانية التي خصصناها لمتحف السودان القومي بالخرطوم وما تعرض له من نهب وتدمير للآثار والمقتنيات التاريخية داخله بواسطة المليشيا المتمردة، هناك متاحف أخرى تعرضت للنهب أيضا، حيث تم نهب حوالى 20 متحفا أخرى بالخرطوم ودارفور والجزيرة منذ إندلاع الحرب، وحجم الضرر في المتاحف بالمناطق التي لم يتم تحريرها لا يزال مجهولا .
حيث تحطمت معظم مقتنيات متحف بيت الخليفة الأثرية القصف بالقذائف خاصة قذائف المدفعية، واكمل أفراد المليشيا المتمردة بعد إستباحتهم للمتحف ما تبقى، بنهب وتدمير مئات المخطوطات والوثائق، ومنها مخطوطات إسلامية، ووثائق تاريخية، ومراسلات الإمام المهدي واوراده، وخطابات الدولة
المهدية، والإنذارات التي أرسلها الخليفة التعايشي، ووثائق تعود إلى الفترة التركية (1821 ــ 1885).. والوثائق المنهوبة بواسطة المليشيا توثق للتاريخ السوداني وتعكس الحياة الثقافية والإجتماعية، وتحتوي على معلومات تفصيلية مهمة عن الحياة بالدولة المهدية.. وهناك الاف الوثائق والمخطوطات التاريخية بمتحف السلطان على دينار بالفاشر عبارة عن مخطوطات إسلامية ووثائق تاريخية لكن مصيرها لا يزال مجهولا
متحف علي دينار:
للأسف، المعلومات الواردة من مدينة الفاشر المحتلة تؤكد ان متحف السلطان علي دينار بالفاشر تم تدميره ونهبه بالكامل.. وهو يعد المتحف الأكبر والاشهر بإقليم دارفور قاطبة، بجانب متحف الجنينة ومتحف نيالا بدارفور، حيث شهد محيط متحف نيالا بجنوب دارفور قتالا شرسا، فتحولت منطقته إلى منطقة مدمرة، كما إستباحت المليشيا المتحف وحولته إلى ثكنة عسكرية، حسب موقع النهار العربي.
وتؤكد المعلومات التي تحصلنا عليها ان متحف السلطان علي دينار بالفاشر، ومتحف نيالا تعرضا لنهب ممنهج لمقتنياتهما من المخطوطات والوثائق والمكاتبات والمصاحف الاثرية المكتوبة بخط اليد وهي في مجملها تمثل جزءا من الهوية الوطنية السودانية.
دار الوثائق القومية:
دار الوثائق القومية بالخرطوم تعد ذاكرة الأمة السودانية بحق وحقيقة، لكونها تحتفظ بكل الوثائق والمكاتبات الحكومية، ونسخ من الإصدارات الورقية المختلفة من صحف ومجلات ونشرات وكتب وإعلانات ومكاتبات ورسائل حكومية وقرارات رسمية هامة.. وصور تاريخية نادرة توثق للحكومات السودانية المتعاقبة ولتلك المرتبطة بفترة الإستعمار البريطاني.. ولمعرفة ن ان دار الوثائق القومية هي ذاكرة الأمة السودانية نشير إلى أنها تحتفظ داخلها بأرشيف يحتوي على حوالى 30 مليون وثيقة، منها وثائق تاريخية من عصر سلطنة سنار، ووملكة دارفور، والفترة المهدية، والحكومات الوطنية منذ الإستقلال، بجانب الصور الفوتوغرافية التاريخية القديمة ــ أبيض واسود ــ والخرائط التاريخية الموغلة في القدم.. والحمد لله نجت دار الوثائق القومية من النهب والتدمير، خاصة أرشيف الصحف السودانية والمجلات والكتب والدراسات والوثائق السودانية فلم يتعرض لخسائر جسيمة.. ولكن في المقابل تم نهب مخطوطات إسلامية من دار الوثائق تشمل نسخ قديمة من القرآن الكريم والمخطوطات الدينية والوثائق التاريخية التي تتعلق بتاريخ السودان السياسي والإقتصادي والإجتماعي، ومنها سجلات رسمية تشمل سجلات الحكومة والوزرارات، ومخطوطات نادرة منها مخطوطات مكتوبة على الورق جلود الحيوانات بالخط الكوفي القديم.. والخسائر بدار الوثائق القومية إقتصرت على البوابة الجنوبية وبعض المكاتب الإدارية، بينما نجت الوثائق التاريخية الرئيسية، إلا أن المليشيا قامت ببعثرتها على الأرض بكميات كبيرة.. كما تضرر مبنى التدريب المجاور لها، وتهشم زجاج الطوابق العليا للمستودع.
سرقة الموميات:
للأسف قام المهاويش الاوباش وباوامر من سادتهم في الامارات بسرقة عدد من المومياوات القديمة والتي تعود إلى ملوك من الحضارات السودانية القديمة، مثل حضارتي كرمة ونبتة ومروي، وهي من الحضارات التي غزدهرت في منطقة النيل الأوسط والجنوبي، وتعتبر من اقدم الحضارات في افريقيا..فحضارة كرمة (1500 ــ 2500) قبل الميلاد، تعتبر من أقدم الحضارات في السودان.. وهناك مومياوات من الجنسين لبعض افراد الاسر الحاكمة تعود لحضارة نبتة (900 ــ 270) قبل الميلاد.. وكانت نبتة ــ مروي حاليا ــ تعد مركزا دينيا وثقافيا هاما، بجانب مومياوات تتبع للحضارة المروية يعود عمرها إلى عام (300) قبل الميلاد.. ومعروف ان الحضارة المروية إشتهرت وتميزت في مجالات العمارة والفنون والكتابة المشهورة بـ(الكتابة المروية).
وبحسرة أقول، المتحف القومي السودني كان يضم في جنباته مومياوات نادرة تعود إلى الحضارات السودانية القديمة المشار إليها سلفا، لكنها للحسرة وللأسف تعرضت للسرقة وبعضها تعرض للتلف، حيث تم شحنها داخل شاحنات كبيرة وتعامل معها المهاويش وكأنها جوالات بصل أثناء حرب الخرطوم، حيث تم نقلها إلى دولة جنوب السودان، وتشاد، وافريقيا الوسطى، وهناك تلقفها سماسرة وتجار المومياوات والآثار الأخرى، من افارقة واوروبيين وإشتروها بتراب الفلوس، حيث تم بيع مومياء لأحد ملوك الاسرة الحاكمة في حضار نبتة بمبلغ 200 دولار!!.. وذلك يعود لجهل المهاويش بقيمة المومياوات وما تمثله من قيمة تاريخية وأثرية لا تقدر بثمن.. ومن الآثار المشهورة التي نهبها أفراد المليشيا من المتحف القومي السوداني تمثال رائع من الحجر الأسود لأسرة تنتمي لحضارة نبتة، لرجل وزوجته وطفلهما الصغير، وعلماء الأثار يقولون ان التمثال لا قيمة مادية له حتى ولو كانت مليار دولار، فقيمته الأثرية والتاريخية لا تقدر بثمن، من يصدق ان المهاويش الجهلاء الذين لا ينتمون لدولة ولا لحضارة قاموا ببيعه بمبلغ (280) دولار فقط.
(نواصل