
اوروبا وامريكا: هل حان الفراق (2)
علي عسكوري
*كتبت في ١٤ يناير ٢٠٢٥ وقبل تنصيب الرئيس دونالد ترمب، مقالا بذات العنوان اعلاه، اشرت فيه للشكوك القديمة التى تكتنف العلاقة بين اوروبا وامريكا، وذكرت ان امريكا (وليس ترامب وحده) لم تعد تهتم كثيرا بالتمسك بعلاقاتها التاريخية مع اوروبا بعد بروز تحديدات جديدة كالصين والهند.
*تبعت ذلك المقال بمقال أخر بتاريخ ٢٣ يناير بعنوان (الشعوبي دونالد ترمب) تنبأت فيه بأن اعادة انتخاب الرئيس ترامب هي الخطوة الاولى لتفكك امريكا من الداخل.
*ما يهمنا في هذا المقال هو العلاقة بين امريكا واوروبا التي انفجرت تناقضاتها وازماتها بأسرع مما توقعت.
*الآن هنالك الخلاف حول حلف (الناتو) العسكري.. هل سيصمد ام سيتفكك خاصة وان الرئيس الفرنسي دعا صراحة إلى تشكيل قوة أوروبية للدفاع عن أوروبا.. هنالك ايضا قضية الحرب الاوكرانية وتوقف امريكا عن دعم اوكرانيا بالسلاح والمال، هنالك قضية التعريفة الجمركية والحرب التجارية والغرامات الباهظة التى فرضتها اوروبا على شركات التقانة الامريكية العملاقة (تصل الى حوالى ١٨ بليون دولار) ورفض امريكا لذلك، يضاف لكل هذه الازمات الصراع حول جزيرة قرينلاند التى قررت امريكا الاستيلاء عليها ان لم يكن بالقوة فببيع اجباري تحت دعاوي امنها القومي.
*تبسمت ساخرا وانا استمع لحديث الرئيس الفرنسي في منتدى (دافوس) ملمحا لما تقوم به امريكا دون ذكرها صراحة، محتجا على الامبريالية والاستعمار الجديد (اى والله) اللهم لا شماتة! قلت في نفسي سبحان مغير الاحوال او (جاك الموت يا ملك الموت) كما يقال
من الخطأ الاعتقاد ان التأزم في العلاقة بين اوروبا وامريكا سياسة خاصة بالرئيس ترامب او مرتبطة به هو فقط، وانه في حالة انتخاب رئيس جديد ستعود العلاقة مع اوروبا الى سابق عهدها.
*ان موقف ترامب من اوروبا هو سياسة دولة وليس امرا خاصا بالرئيس ترامب. بمعنى اخر، ان العلاقة بين اوروبا وامريكا دخلت غرفة الانعاش وتنتظر الاعلان عن وفاتها.
*ما هي التداعيات السياسية والاقتصادية التي ستنتج عن موت العلاقة القديمة امر يصعب التنبؤ به، وما ان كان الاتحاد الاوروبي كقوة اقتصادية وسوق موحد سيصمد او سيتفكك خاصة وان امريكا وروسيا لهم جميعا مصلحة في تدمير عملة الاتحاد (اليرو). او كما يقول منطق السوق كلما قل منافسوك كلما تحسنت فرصتك في الاحتكار.
*بالطبع يقفز سؤال جوهري لذهن القارىء، هو لماذا انفجرت كل هذه الازمات الان؟ نحاول في هذا المقال شرح قراءتنا للاسباب والتداعيات والنتائج المتوقعة على المدى الطويل.
*أول أسباب هذه التحولات هو تغير موازين القوى وتغير المهددات الاستراتيجية بالنسبة لامريكا ولاوروبا على خد السواء.
هنالك حدثان مهمان وقعا في نهاية القرن المنصرم قادا الى تغير الاستراتيجيات الامنية هما:
1- انهيار الشيوعية كمهدد سياسي لاوروبا
2- صعود الصين كمنافس اقتصادي لامريكا
*لقد تزامن هذان الحدثان تزامنا يثير الدهشة.. فبينما كانت امريكا وربائبها في اوروبا يحتفلون بانتصارهم على الشيوعية، اذ بهم يتفاجأون ببروز الصين كقوة اقتصادية و عسكرية وتكنولوجية هائلة انفلتت من حبالهم وقيودهم المضروبة عليها.
*في اطار صراعه مع روسيا، شجع الغرب الصين على الانفتاح الاقتصادي واستثمر فيها مئات البلايين من الدولارات في عقد التسعينات وحده، واندفعت الشركات الكبري الباحثة عن العمالة المدربة الرخيصة و هامش الارباح الجيد تستثمر وتعمل في السوق الصيني. ونتيجة لذلك فاقت معدلات النمو الاقتصادى فى الصين في عقد التسعينات ال ١٠% وهو معدل مرتفع جدا بكل المقاييس
دارت نقاشات كثيرة حول مخاطر الاستثمار بذلك الحجم في الصين، وصدرت العديد من الكتب من مختصين ابرزهم هنري كيسنجر تناولت مخاطر نهضة الصين على هيمنة الغرب على العالم، ولكن في نهاية المطاف – كما يحدث دائما- انتصر رأس المال على دعاة التخوف من نهوض الصين.
*الصين من واقع تاريخها الطويل وارثها الحضاري، دولة تفضل الصمت عن ما تنجز وتفعل، خلافا لما يفعل الغرب في التباهى بالحق والباطل بما يفعل وما لا يفعل! هذا السلوك (ممارسة الصمت يعود لنظرة الصين لنفسها، فالصين كما اشار كيسنجر في كتابه تري نفسها مركز الكون، ولها تقاليد ثقافية راسخة تختلف عن الغرب، وهي حضارة وليست دولة! ولذلك تختلف اساليبها في التعامل وطريقة الحياة عن ثقافة وحياة الغرب.
*نتيجة لذلك كانت الصين ولفترة اقرب لللغز منها الى منافس ذى اهداف استراتيجية معلنة ومكشوفة رغم اجتهاد الغربيين في محاولة استكناه طبيعة الصين ومآلات نهضتها واهظافها بعيدة المدى.
*بين انهيار امبراطورية روسيا وصعود الصين ارتبك واضعوا الاستراتيجيات في الغرب واحتاجوا لفترة امتدت لاكثر من عقد لالتقاط انفاسهم وترتيب اوراقهم ومحاولة الاجابة على السؤال: هل الصين منافس، صديق ام عدو؟.
*استغلت الصين ذلك الارتباك وانطلقت لبناء اقتصادها بسرعة كبيرة، بل جلبت اغلب الشركات الغربية الكبري لتنتج عندها، وهكذا بانتهاء العقد الاول من القرن اصبحت الصين ثانى اكبر اقتصاد في العالم وتسير لتكون الاكبر في سنوات معدودة.
*كنتيجة مصاحبة، وفر بروز الصين كقوة اقتصادية كبيرة بديلا ماليا للدول النامية في افريقيا، جنوب شرق اسيا، واسيا الوسطى وامريكا اللاتينية. كانت النتيجة المباشرة لذلك هو ضعف او تآكل سيطرة او تحكم البنك الدولى و صندوق النقد الدولى على الدول النامية.. من نافلة القول فإن المؤسستين تعتبران اهم آليات الامبريالية الغربية للسيطرة على الدول النامية بعد تاسيسهما في اتفاق (بريتون وودز) بالولايات المتحدة العام ١٩٤٤.. وهكذا ادى بروز الصين وازدياد ثروتها وتراكم الاموال لدى بنك التصدير والاستيراد الصيني وغيره من مؤسسات الاقراض الصينية الى تآكل وتراجع دور المؤسستين في العقدين الاخيرين حتى كاد الناس ان ينسوهما.
*قضية نهوض الصين وعلاقتها مع الغرب يدخل في صميم الخلافات المتصاعدة بين اوروبا وامريكا. فأمريكا تري ان الصين منافس خطير لابد ان يتحول لعدو استراتيجي يهدد قبضتها على العالم،( حاليا يتفق الحزبان الجمهوري والديمقراطي على تصنيف الصين كعدو) (حتمية ثيوسيديديس)(راجع مقالى عن الحتمية بتاريخ ٥ يوليو ٢٠٢٤)، خلافا لذلك تري اوروبا ان الصين شريك تجاري لا اطماع سياسية له في اوروبا وليس له ايدولوجيا اممية لنشرها، كما ان اوروبا خلافا لامريكا لم تعد مهيمنة على العالم حتى تقلق من تهديد الصين لهيمنتها.