آخر الأخبار

  ذكاء اصطناعي أم ذكاء دعائي؟

درب التبانة

د. الحسين تاج الدين احمد

 

*في السنوات الأخيرة، أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي حديث الساعة، كنجوم تتلألأ في سماء التقنية، حيث تتسابق الشركات العالمية لإطلاق تطبيقات ومنصات تحمل شعار (مدعومة بالذكاء الاصطناعي). وبينما يرى البعض أن هذه الأدوات تقدم خدمات حقيقية تسهل حياة المستخدمين وتزيد من إنتاجيتهم، يعتبر آخرون أن الأمر لا يتجاوز كونه وسيلة تسويقية لجذب الانتباه وإبراز صورة الشركة ككيان متطور وحديث. من جهة، توفر هذه الأدوات حلولا عملية مثل كتابة النصوص، تحليل البيانات، أو دعم التعليم، وهو ما يجعلها جزءا من الخدمة اليومية للمستخدم، أشبه بأدوات تضيء الطريق في رحلة العمل والمعرفة. ومن جهة أخرى، لا يمكن إنكار أن عبارة (ذكاء اصطناعي) أصبحت عنصرا دعائيا قويا، تستخدمه الشركات لتسويق منتجاتها حتى وإن كانت الميزة المضافة بسيطة، كوميض عابر يخطف الأبصار لكنه لا يترك أثرا عميقا.

*الذكاء الاصطناعي اليوم يشبه مرآة مزدوجة الوجه: وجه يعكس خدمة حقيقية ترفع من كفاءة الإنسان وتمنحه أدوات جديدة، ووجه آخر يلمع كإعلان دعائي يثير الفضول أكثر مما يقدم قيمة.. وبين هذين الوجهين، يقف المستخدم أمام خيار أن يرى في هذه الأدوات نورا يرشده، أو مجرد سطح لامع يخفي وراءه فراغا.

*في كثير من الأحيان، يتحول الذكاء الاصطناعي إلى موجة دعائية عابرة، كسراب يلمع في الصحراء. تضيف بعض الشركات خاصية سطحية ثم تبرزها تحت عنوان (ذكاء اصطناعي) لتثير فضول المستهلكين وتجذب المستثمرين.. هذا الاستخدام الدعائي يركز على استغلال بريق المصطلح في مدة انتشاره، دون أن يقدم ابتكارا -فعليا- أو خدمة مستدامة. ومع مرور الوقت، يتضح أن بعض هذه الأدوات لم تكن سوى ومضة قصيرة، هدفها تعزيز المبيعات أكثر من كونها ثورة تقنية حقيقية. ينبغي على المستخدم أن يتعامل مع هذه الأدوات بحذر، وألا ينجرف وراء الدعاية البراقة دون تقييم حقيقي للفائدة. فقبل استخدام أي أداة، عليه أن يسأل نفسه: هل تقدم هذه الأداة قيمة عملية فعليه أم أنها مجرد شعار تسويقي؟ هل أحتاجها فعلا في عملي أو حياتي اليومية؟ وهل استخدامها سيجعلني أشارك في نشرها مجانًا عبر الحديث عنها أو الترويج لها دون مقابل؟ إن الوعي النقدي هو خط الدفاع الأول ضد الاستغلال التسويقي، فالمستخدم الذكي لا يكتفي بالانبهار بالمصطلحات، بل يقيم التجربة بموضوعية ويحدد إن كانت تستحق الاعتماد عليها أم أنها مجرد موجة دعائية عابرة؟.

*بين الخدمة والدعاية، يقف الذكاء الاصطناعي اليوم على مفترق طرق: إما أن يثبت نفسه كأداة ثورية تغير شكل حياتنا وعملنا، أو أن يظل مجرد شعار دعائي يلمع لفترة ثم يخفت بريقه. وفي النهاية، يبقى الحكم الحقيقي بيد المستخدم الواعي الذي يقرر ما إذا كان سيمنح هذه الأدوات مكانًا في حياته اليومية، أم سيتركها تمر كموضة عابرة في عالم التقنية.

*يمكن للوعي النقدي أن يكون البوصلة التي توجه المجتمع نحو استخدام مسؤول وفعّال للتقنيات الجديدة، بعيدًا عن الانبهار العابر ببريق المصطلحات. لكن الوعي ليس مجرد قرار فردي، بل هو نور يسطع على السطح، يضيء الطريق للآخرين، ويهديهم إلى التمييز بين الحقيقة والدعاية، تمامًا كما يرشدنا درب التبانة في ظلام الليل.