
الخلاف بين موسى هلال و حميدتي لماذا وكيف (4)
اما قبل
الصادق الرزيقي
*بلغت ذروة الخلاف مداها بين الشيخ موسى هلال حميدتي في العام 2017م ، وكان الإحتقان بينهما قد وصل أعلى درجات غليانه ، بجانب التوترات المحلية فإن تدخلات أطراف في الخرطوم صبت زيتاً على النار اللاهبة ، فبينما كانت عملية جمع السلاح في دارفور تنطلق مترأساً لجنتها العليا حسبو محمد عبد الرحمن نائب رئيس الجمهورية وتباشر عملها من الفاشر في أغسطس 2017 ، شرعت قوات الدعم السريع في تنفيذ مهمة جمع السلاح بصلاحيات واسعة فوضتها لها اللجنة العليا ، مع تمدد شبكة علاقات ونفوذ حميدتي داخل السلطة في ولايات دارفور الخمس ، خاصة بعد إجازة المجلس الوطني ( البرلمان ) في أبريل من العام نفسه قانون قوات الدعم السريع المثير للجدل مستغلة الفرصة عملت قوات الدعم السريع على محاصرة منطقة مستريحة مقر إقامة الشيخ الشيخ موسى هلال ورهطه لكن دون المساس بها ، وكانت تنفذ خطة محكمة تهدف لتطويق المنطقة وترصد المنتمين لها وتتحين السوانح لمهاجمتها ، في حين واصل هلال إشهار رفضه للطريقة التي تنفذ بها عملية جمع السلاح وطالب بإسناد المهمة للقوات المسلحة والشرطة وعدم تركها لقوات الدعم السريع التي وصفها بأنها مليشيا قبلية تتبع لأسرة واحدة ، وكانت خطاباته وتسجيلاته الصوتية بمثابة سوط يلهب ظهر حميدتى وحسبو على السواء ، و تفرغ موسى أيضاً لعقد المصالحات المحلية بين قبائل المنطقة خاصة الرزيقات والبني حسين.
*بدأت عملية الاستفزاز من جانب الدعم السريع لمجموعة شيخ موسى ، بتصيد و أعتقال بعد المقربين منه وأقاربه في مناطق دارفور المختلفة خاصة العابرين الى ليبيا وسيقت اتهامات لموسى بالتواصل مع حفتر وتجنيد أبناء المحاميد لصالحه ، ثم توالت المناوشات و الاعتداءات الفردية في مناطق القبائل العربية بشمال دارفور وشرق دارفور، وعدها موسى إستهدافاً لقبيلته المحاميد ، بجانب إجهاض الاتصالات بين الحكومتين الاتحادية والولائية لتوضيح موقفه من طريقة جمع السلاح.
*اندلعت مواجهة في المناطق حول مستريحة بين قوات الدعم السريع و بعض أبناء المحاميد بالمنطقة يومي 24 -25 نوفمبر 2017 م ، وقالت قوات الدعم السريع أن كميناً استهدف قوة محدودة كانت تنقل مصابين ، تبعه كمين آخر قُتل فيه العميد عبد الرحيم جمعة دقلو إبن عم حميدتي وكان بمثابة الرجل الثالث في القوات ، ويعد أكبر خسارة للدعم السريع ، وتم إتهام موسى هلال بقتل العميد عبد الرحيم ، وسارع موسى بالنفي ، لكن لم يطل الجدال كثيراً فقد هاجمت قوات ضخمة من الدعم السريع يوم 26 نوفمبر منطقة مستريحة بينما هلال يتلقى العزاء في والدته وحوله وفود من مناطق أخرى ، فتم القبض عليه وعدد من أبنائه و أتباعه ، وتعرضت المنطقة لانتهاكات و أعمال قتل ونهب وسلب ، وأرسلت طائرة من الخرطوم لنقل موسى وأبنائه وبقية المعتقلين من بينهم آدم خاطر أحد أبرز رموز المحاميد في وسط دارفور وهو زعيم محلي كان في مستريحة لتقديم العزاء لموسى ، وعندما حطت الطائرة في الخرطوم توفي آدم خاطر الذي ظهر متعباً تلطخ جلبابه بالدماء.
*أودع موسى هلال السجن، كان هدف الدعم السريع هو إقصاء موسى بالكامل من الحياة السياسية و ابعاده من موقعه في الإدارة الأهلية ، وجرت محاولة تعيين شخصية أخرى على رأس قبيلة المحاميد واقترح حميدتي ان يتولى زعامة المحاميد أحد عيال خدام ( موسى خدام أو حسن خدام).
*فشلت كل الجهود التي بذلت في الخرطوم لطي الخلاف والإفراج عن موسى هلال ، وأغلقت الحكومة والمؤتمر الوطني الباب أمام أي محاولات تقوم بها أطراف من دارفور في هذا الاتجاه ، وكان حميدتى يتابع عن كثب التحركات ومحاولات التأثير على قرار الدولة والحزب الحاكم بخصوص هلال الى درجة انه تم ترتيب لقاء لحميدتي وشقيقه عبد الرحيم مع قيادة الحزب آنذاك ( د. فيصل حسن إبراهيم ) في منزل أحد قادة الحزب، طلب حميدتي وشقيقه الانضمام للمؤتمر الوطني علناً والإنخراط في صفوفه ودخول مؤسساته، لكن د. فيصل نائب رئيس الحزب رفض طلبهما وأعتذر لهما ، معللاً ذلك بطبيعة الحزب الذي يجد حساسية بالغة في ظهور ( العسكريين بالخدمة ) بين صفوفه ومن الأفضل لهما العمل في مجالهما بعيداً عن العمل السياسي المباشر.
*في هذا الوقت بعد إنهاء قضية موسى هلال وإيداعه السجن ، سعى حميدتي لتوسيع إمبراطوريته المالية ، فسيطر على كل مناطق إنتاج الذهب بدارفور ( جبل عامر – جنوب جبل مرة – سنقو بجنوب دارفور ) وفي المناطق الشرقية لجنوب كردفان وفي ولاية نهر النيل ، إضافة للعمل مع شركة فاغنر الروسية في منطقة (سنقوم) داخل أفريقيا الوسطى ، وحصلت شركة الجنيد التي يملكها حميدتى وشقيقه عبد الرحيم على عقودات ضخمة لإنشاء وصيانة الطرق مثل طريق ( الفاشر- كتم ) وصيانة (طريق نيالا كاس زالنجى ) وطريق آخر بين ( نيالا عد الفرسان رهيد البردي ) بالشراكة مع شركة أخرى ، وبدأت الشركة تدخل مباشرة في أعمال أخرى، استيراد الوقود وتجارة الذهب وتوفير السلع الإستراتيجية التي تحقق أرباحاً عالية مع التغلغل في مؤسسات الدولة.
*كان العام 2017 حاسماً لصالح الدعم السريع فيه توثقت العلاقة مع دولة الإمارات العربية المتحدة ، عقدت فيه لقاءات مع عملاء الموساد الإسرائيلي في أبو ظبي من وراء ظهر الحكومة السودانية وأجهزتها ، وتعمقت العلاقة مع فاغنر الروسية في تجارة الذهب والماس واليورانيوم المستجلب من أفريقيا الوسطى.
*عندما حدث التغيير في أبريل 2019 م ووصول حميدتي لموقع نائب رئيس المجلس العسكري ، هدد حميدتي في مطلع مايو 2019م بإطلاق الرصاص على موسى هلال وقتله أمام القيادة العامة إذا استجاب الفريق أول عبد الفتاح البرهان لمذكرة قدمت له نهاية أبريل 2019م من قيادات أهلية وسياسيين من دارفور واعيان معروفين بينهم الوزير الأسبق حامد تورين ، يطالبون بإطلاق موسى هلال وصناعة سلام أهلي مستدام في دارفور ، و آثر البرهان تهدئة الأوضاع ولم يطلق سراح الشيخ موسى.
*بعد أشهر قليلة في نهاية أغسطس 2019م وصل وفد كبير من قيادات وعمد المحاميد وأبناء عمومة موسى هلال للخرطوم ، وجرت إجتماعات هدفها تسوية قضية غدر الدعم السريع بعدد من أبناء المحاميد قادمين من ليبيا تمت استضافتهم في الصحراء وباتوا في مكان واحد لكن قوات الدعم السريع قامت بتصفيتهم جميعاً ودفنوا في رمال الصحراء ، (21 شخص من المحاميد قتلوا في 2017م ) – وجه عبد الرحيم دقلو القادة ( حبيب حريكة والدلول وأبو نجلك ومعلا) بقتل المجموعة. –
*كانت النقاشات حامية وساخنة جداً حتى تمت التسوية إلتزم الدعم السريع بدفع الديات ، وحاول عبد الرحيم دقلو الذي ترأس التفاوض مع وفد المحاميد إنتزاع مواقف واضحة منهم ضد الشيخ موسى والتبرؤ منه لكن ذلك لم يحدث ، كما حاول اختيار قيادات داخل المحاميد تدين بالولاء للدعم السريع ، رغم ذلك لاح بصيص أمل بإمكان التسوية بين الطرفين بتدخل اطراف اخرى منهم ناظر قبيلة الرزيقات محمود موسى مادبو.
*مع زيادة طموح حميدتي ووصوله السلطة ومحاولة إسباغ صفة القومية على نفسه ، بدأ يستمع لأراء كثيرة في هذا الجانب المتعلق بضرورة الإفراج عن موسى هلال ، وكان موقف البرهان والجيش أوضحها ، وتلقى حميدتى نصائح من الرئيس التشادي السابق إدريس دبي الذي ربطته من قبل مصاهرة مع الشيخ موسى وتربطه به علاقة جيدة ، ونتيجة لموقف البرهان والضغوط الأخرى من تنسيقية أبناء المحاميد بعد تكوينها ، رضخ حميدتى ورضي بإطلاق سراح موسى هلال في 11 مارس 2021م بعفو رئاسي.
*لكن العامل الأكثر تأثيراً في سعي حميدتى للمصالحة مع موسى هلال بعد خروج الأخير من السجن ،عندما ذهب حميدتي في 1/ ابريل 2021م إلى العاصمة النيجرية نيامى لحضور تنصيب الرئيس السابق محمد بازوم الذي ينتمي لقبيلة أولاد سليمان وهم جزء من المحاميد ، فوجيء حميدتي بوجود أعداد كبير من رموز المحاميد من عدة بلدان موجودين في حفل التنصيب ، كما علم بحجب الرئيس بازوم بنفسه في آخر لحظة إذاعة برقية تهنئة كانت ستعلن في حفل التنصيب وردت من موسى هلال ، نصح بازوم حميدتى بأن يكون رجل دولة والمستقبل أمامه من العيب أن يصبح خصماً لأبناء عمومته.
*لعب أبناء من قبيلة الرزيقات وأطراف أخري دوراً بارزاً في المصالحة التاريخية التي تمت بين الشيخ موسى وحميدتي ، سبقتها ومهدت لها إجتماعات في مزارع غرب أمدرمان ومكاتب رئاسة الدعم السريع والقصر الجمهوري ،حسمتها ضمانات من ناظر الرزيقات لتسقط المحكمة العسكرية التهم عن موسي وتنازل أولياء الدم الذين سجن بسببهم ، قبل أيام من صدور قرار العفو من مجلس السيادة.
*سبق هذا كله لقاء تم قبيل إطلاق سراح الشيخ موسى في منزل حميدتى بحى المطار الخرطوم في نهاية يناير 2021م، حضره ناظر الرزيقات محمود موسى مادبو واعداد من الإدارات الاهلية والاعيان تم فيه التعافي والصلح وأداء القسم والتعاهد على تجاوز المرارات والإحن ، كما تعهد حميدتى بدفع كل الخسائر وما تم نهبه في الهجوم على مستريحة 2017م وهي عادة قديمة تسمى ( أموال السليب ) أي الأسلاب وهو ما يسلب من الخصم في القتال.
*سارت الأوضاع مكتومة بين الجانبين رغم الصلح ، ووضع الدعم السريع كل العراقيل لمنع شيخ موسى من العودة إلى دارفور التي لم يزرها إلا بعد الحرب في 2024م بعد الحرب مع تعهدات بعدم اعتداء كل طرف على الآخر ، لم تحد قيادة الدعم السريع عن هدفها،و هو أن تصحو ذات صباح ليجد الشيخ موسى ليس على وجه الأرض ، بينما ظل موسى هلال يعمل بتمهل لإستعادة وضعه وإعادة تنظيم صفوف أهله و إحياء مجلس الصحوة الثوري وتدعيم دوره ومكانته السياسية والأهلية و الإجتماعية إستعداداً لمرحلة قادمة ، على هذا بقيت جذور الصراع مثل نبات ( الجزو) لا تموت جذوره ابداً ويطل من جديد.