شبكات مرتبطة بالإمارات وشركات فرنسية تغذّي حرب السودان
كشف تقرير استقصائي أن شبكات مرتبطة بدولة الإمارات وشركات فرنسية تغذّي حرب السودان، ما يسلّط الضوء على دور سلاسل التوريد الدولية في تمويل واحدة من أكثر الحروب دموية في المنطقة.
وأظهر التقرير أن شركتين فرنسيتين بارزتين، هما “نيكسيرا” و”آلان وروبرت”، تحتلان موقعًا محوريًا في هذا النظام، عبر انخراطهما الواسع في تجارة الصمغ العربي المرتبطة بمناطق خاضعة لسيطرة جماعات مسلحة.
ويُهيمن السودان على الإنتاج العالمي للصمغ العربي، الذي يُعد مكونًا أساسيًا في صناعات الأغذية والمشروبات ومستحضرات التجميل والأدوية. غير أن هذه السلعة تحوّلت، وفق التقرير، من مورد تجاري تقليدي إلى مصدر تمويل رئيسي للصراع، في ظل سيطرة قوات الدعم السريع على مناطق الإنتاج الرئيسية، خصوصًا في دارفور وكردفان.
وأوضح التقرير أن عمليات استخراج الصمغ العربي وتجارته في تلك المناطق لم تعد نشاطًا اقتصاديًا محايدًا، بل أصبحت جزءًا من منظومة تمويل متكاملة تدعم العمليات العسكرية. وأسهمت مختلف مراحل سلسلة التوريد، من الحصاد إلى التصدير، في تحويل الموارد الطبيعية إلى أدوات لإدامة العنف وتعزيز قدرات الجماعات المسلحة.
وأشار التقرير إلى أن الشركات الفرنسية تلعب دورًا حاسمًا في قمة هذه السلسلة، بصفتها من كبار اللاعبين في السوق العالمية للصمغ العربي.
وتستحوذ شبكات الشراء التابعة لها على كميات ضخمة من هذا المورد دون تدقيق كافٍ في مصدره، ما يسمح بمرور الصمغ المستخرج من مناطق النزاع إلى الأسواق الدولية ودمجه في سلاسل الإنتاج العالمية.
ولفت التقرير إلى أن غياب الشفافية في تتبع مصادر التوريد يمكّن من إخفاء منشأ الصمغ العربي، حيث يُنقل عبر دول مجاورة ويُعاد تصديره بصفته منتجًا محايدًا، حيث تتيح هذه الآلية دخول موارد مرتبطة بالنزاعات إلى الأسواق العالمية دون رقابة فعالة.
وأكد التقرير أن العوائد المالية الناتجة عن تجارة الصمغ العربي، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها لتمويل عمليات عسكرية طويلة الأمد، ما يبرز دور الدعم الخارجي في استدامة الصراع. وفي هذا السياق، أشار إلى الدور المركزي الذي تلعبه دولة الإمارات في تعزيز هذه المنظومة.
وأوضح التقرير أن الإمارات تشكّل عنصرًا حاسمًا في تحويل العائدات الاقتصادية إلى قدرات عسكرية. وقدّمت، بحسب المعطيات، دعمًا ماليًا وتسهيلات لوجستية وغطاءً سياسيًا ساهم في تمكين الجماعات المسلحة من مواصلة عملياتها بقدرة مستدامة.
وبيّن التقرير أن هذا الدعم الخارجي حوّل الموارد الطبيعية من مصدر دخل محدود إلى ركيزة ضمن آلة حرب أوسع نطاقًا، حيث يجري توظيف العائدات بشكل منظم لتعزيز السيطرة الميدانية وتوسيع العمليات العسكرية.
ووصف التقرير هذه المنظومة بأنها بنية متعددة المستويات، تبدأ بإنتاج الموارد الطبيعية، ثم تحويلها إلى دخل عبر شبكات التجارة، قبل أن تُستخدم في تمويل العمليات العسكرية بدعم خارجي. وأدى انخراط الشركات الدولية إلى إدماج هذه الدورة ضمن الاقتصاد العالمي، ما زاد من تعقيدها وصعوبة تفكيكها.
وأشار التقرير إلى أن آليات إخفاء مصدر الصمغ العربي تمثل عنصرًا أساسيًا في استمرار هذا النظام، حيث يُجرّد المنتج من إمكانية التتبع قبل دخوله الأسواق العالمية. وسمح ذلك باندماج موارد مرتبطة بالنزاع في منتجات استهلاكية تُستخدم يوميًا حول العالم.
وأكد التقرير أن هذه المعطيات تكشف ارتباطًا غير مباشر بين الاستهلاك العالمي واستمرار النزاعات المسلحة، مشيرًا إلى أن المشكلة لم تعد أخلاقية فحسب، بل أصبحت بنيوية ومترسخة في نظام التجارة الدولية.
وسلّط التقرير الضوء على أن الدور الإماراتي يتجاوز الدعم المالي إلى التأثير الاستراتيجي، إذ يسهم في ضمان استمرارية هذا النظام وتوسيعه. ويؤدي ذلك إلى تحويل النشاط الاقتصادي إلى أداة للصراع، مع تلاشي الفاصل بين التجارة والعمل العسكري.
في المقابل، أبرز التقرير أن تورط الشركات الفرنسية يعكس ثغرات واضحة في الأطر التنظيمية الدولية، حيث تفشل آليات الرقابة الحالية في منع تسرب موارد النزاعات إلى الأسواق العالمية، بسبب تعقيد سلاسل التوريد وغياب الشفافية.
وأوضح التقرير أن تداعيات هذا النموذج لا تقتصر على السودان، بل تمثل مثالًا على كيفية توظيف سلاسل التوريد العالمية لدعم النزاعات المسلحة عند توفر دعم خارجي من دول فاعلة. ويكشف ذلك عن ترابط عميق بين الاقتصاد والسياسة والعمليات العسكرية.
واختتم التقرير بالتأكيد على أن ما يجري ليس تداخلاً عرضيًا، بل نظام متكامل لتمويل الحروب، تشارك فيه شبكات اقتصادية ودولية بشكل مباشر أو غير مباشر، لافتا إلى أن استمرار هذا النظام يحمّل الشعب السوداني الكلفة الأكبر، في ظل صراع تغذّيه أطراف تتجاوز حدوده الجغرافية.
وأكد التقرير أن وقف هذه الدوامة يتطلب مواجهة شاملة على جميع المستويات، بدءًا من استخراج الموارد وصولًا إلى تنظيم الأسواق العالمية، مع تعزيز آليات الشفافية والمساءلة في سلاسل التوريد الدولية.