آخر الأخبار

الديمقراطية ..كذبتنا السياسية في أبريل (2-2)

 

محمد عبد الرحيم جاويش

*حكى شاب عراقي مهاجر في كندا التقينا به في ورشة عمل عن الانتخابات قبل عدة سنوات، قال أنه ذهب يوما لاستلام ابنته من الروضة، فلما دخل الروضة مع نهاية الدوام، وجد الاطفال في صف الاستعداد للخروج وابنته، تراجع في زملائها لتتأكد من أن كل واحد أخذ حاجياته معه مكتملة، وانتظرها حتى انتهت ثم خرجا، فسألها في الطريق عن ما كانت تفعله، فقالت له أنه واجبها  لأنها قائدة الصف (Leader) ، فقال لها كيف اصبحتِ القائدة، فقالت انهم انتخبوها.

*بالمقابل نجد انه عندما تأتي سيرة الديمقراطية عندنا لا يتبادر الى الذهن الا عملية الاقتراع، وهي رغم اهميتها إلا انها جزء صغير جدا من النظام الديمقراطي، فترسيخ وتعميق وتطويرالديمقراطية يجب ان تكون عملية مستمرة، يشارك فيها كل أفراد المجتمع، بحيث يعمل الجميع وفق نسق واحد ومسئولية لبناء الوطن واستغلال خيراته والافادة من اختلاف وجهات النظر في إثراء الافكار والحلول. هل تعلم أن اوروبا التي سلكت طريق الديمقراطية قبل أكثر من 2500 عاما، لازالت حتى اليوم تعتمد انشطة ترسيخ الديمقراطية ضمن اهتمامات المفوضية الاوربية ولوشئت راجع موقعها في الإنترنت ” لقد جعلت المفوضية الدفاع عن الديمقراطية وتعزيز سيادة القانون أولويتها. وقد وضعت تدابير لحماية ديمقراطيتها وتعزيزها، ومواجهة التدخل الأجنبي، ومكافحة التضليل والفساد، وحماية حرية الإعلام وتعدده، فضلاً عن سلامة الصحفيين”. هل انتبهت عزيزي ان اوروبا حتى اليوم تستميت في حماية ديمقراطيتها من التدخل الاجنبي؟ وبالمقابل ليست الديمقراطية عندنا الا بابا للتدخل الاجنبي؟ لو يذكر الذين حضروا انتخابات عام 1986، كيف كان حزب البعث الاشتراكي حينها يصرف صرف من لايخشى الفقر من أموال النفط العراقي، طبعا هذا غير المنح التعليمية لكوادر الحزب في العراق، وقد سبقه الحزب الشيوعي الذي كانت منح الحزب الشيوعي ودول اوروبا الشرقية مبذولة لكوادره ، أما ديمقراطية ابريل 2019، ربما الأيسر  ان نبحث فيها عن الدور السوداني، فالاصل هي ان قيادتها من السفارات، فقد كانوا  حضورا في ساحة الاعتصام كأنهم من قيادات الأحزاب والمجتمع ، ولعل أشهر التدخلات ما تسرب عن كتابة السفير البرياطني مسودة الطلب للامم المتحدة لوضع السودان تحت البند السادس ليوقع عليها رئيس الوزراء دون أن يعلم الشعب ومجلس السيادة، ثم اعلان برنامج الامم المتحدة الانمائي لوظائف في مكتب مجلس الوزراء و سحبها بعد ردة فعل الرأي العام، وما تسرب حينها من دفع مرتبات لمجلس الوزراء، ورعاية سفراء ما عرف بالرباعية لوضع الاتفاق الاطاري، وأخيرا استضافة من يبحثوا لنا عن الديمقراطية وتمويل تحركاتهم.

*النظم الديمقراطية لا تتسامح أبدا مع التدخل الاجنبي،اقرب الامثلة استقالة مايكل فلين مستشار الامن القومي الامريكي في ولاية ترمب الاولى، بعد اقل من شهر من توليه المنصب في 20 يناير 2017، والسبب بعد كشف اتصالاته مع السفير الروسي قبل توليه المنصب، واعتبر الامر فضيحة.

*ممارسة الفوضى من نقائص تعاملنا مع الديمقراطية ، عندما تلوح ذات أبريل، مما يجعل الناس لا يأسفون عليها عندما تنخسف أو (يشيلها كلب) كما قال الشريف زين العابدين  الهندي عليه رحمة الله في الجمعية التاسيسية  اواخر ديمقراطية ابريل 1985.والذين عاشوا في الخرطوم قبيل وبعد ابريل 2019، يذكرون كم كانت الحياة بائسة اثناء تتريس الشوارع وتدمير بلاط الشوارع، و خلع اللافتات واعمدة الانارة وحرق اطارات السيارات بزعم دعاوي الديمقراطية، وتعطلت كثير من مصالح المواطنين، ولم يستطع بعض المرضى الوصول للمستشفيات وقضى بعضهم نحبه.

*وفجيعتنا لا توصف وأحد السياسيين الذين كنا نعدهم من العقلاء وندخرهم لبناء نهضة السودان خاصة أنه جمع بين الهندسة والسياسة، فاذا به يصعقنا بأن  المجد للساتك ولمن احرق اللساتك.

*درب الديمقراطية طويل ولنأخذه بجدية إن كنا فعلا نريدها، الاستدامة  لن تأتي ألا أن نبذل لها الجهد على قناعة، وبدون ذلك ستظل الديمقراطية المستدامة هي كذبتنا السياسية كلما اهل علينا أبريل.

*ليت هناك من ينهض منا ليحلل بعمق   قصة فشلنا الطويل مع استدامة الديمقراطية ، ويضع لنا ملامح الطريق.. ولنعلم إن لم يكن ترسيخ الديمقراطية بندا أساسيا في نشاط أحزابنا الفكري والسياسي، ومناهجنا التربوية، وبرامجنا الثقافية وحياتنا الاجتماعية، فلا نمني أنفسنا بها.

*وثمة  ملاحظة بسيطة، اخذت الفترة الانتقالية بعد 1964 ستة أشهر ، والفترة الانتقالية الثانية بعد 1985 مدة 12 شهرا، وفترتنا الانتقالية الحالية اكملت الان 72 شهرا.. وماشين في السكة.