آخر الأخبار

ثلاث سنوات من حرب الكرامة.. كيف يخرج السودان من نفق الدم؟

 

عمرو خان

*مرت ثلاث سنوات على اندلاع الحرب في السودان، ووقع ما لم يتخيله عقل، ولا تصوره عاقل، ولا توقعه حتى كبار مبعوثي الولايات المتحدة، ولا قدّره خبراء المنظمات والاتحادات الدولية المتخصصة في الشؤون الإفريقية. ثلاث سنوات تعاقب فيها الخراب والدمار، والنزوح واللجوء، والموت والإصابات، وانتهاك الحرمات، وسفك الدم السوداني فوق تراب الخرطوم وأم درمان والجزيرة ومدني، حتى امتدت نيرانه إلى دارفور وكردفان، وباتت تلامس النيل الأزرق.

*واجه الشعب السوداني ويلات تمرد ميليشيا الدعم السريع، التي كانت في وقت سابق أداة بطش في يد نظام الرئيس الأسبق عمر البشير، تُستخدم لقمع المعارضين وحسم التمردات، قبل أن تنقلب على الدولة نفسها. فعاثت في البلاد فسادًا، وأحرقت الأخضر واليابس، وارتكبت من الجرائم والانتهاكات ما يندى له جبين الإنسانية، في واحدة من أكثر الحروب قسوة في تاريخ السودان الحديث.

لكن، رغم هذا المشهد القاتم، فإن الذكرى الثالثة لما يُعرف بـ(حرب الكرامة) لا ينبغي أن تكون مجرد محطة للبكاء على الأطلال، بل لحظة مراجعة عميقة، تطرح السؤال الأهم: كيف يمكن للسودان أن يخرج من هذا النفق المظلم؟.

*أول ما يجب الاعتراف به أن هذه الحرب لم تكن مجرد صراع عسكري بين طرفين، بل نتيجة تراكمات سياسية وهيكلية ممتدة منذ الاستقلال. دولة لم تُبنَ على أسس مؤسسية راسخة، وجيوش موازية نشأت خارج الإطار الرسمي، ونخب سياسية عجزت عن إدارة التنوع، ومجتمع دولي تعامل مع السودان غالبًا بردود أفعال متأخرة أو انتقائية. هذه العوامل مجتمعة صنعت بيئة قابلة للانفجار، وكانت الحرب هي النتيجة الحتمية

الحل، إذن، لا يمكن أن يكون عسكريًا خالصًا.. التجربة خلال السنوات الثلاث أثبتت أن الحسم العسكري الكامل مستحيل أو مكلف إلى حد تدمير الدولة نفسها. لذلك، فإن المسار الواقعي يبدأ بوقف إطلاق نار شامل، بضمانات إقليمية ودولية حقيقية، وليس مجرد اتفاقات هشة سرعان ما تنهار. المطلوب هذه المرة آلية رقابة صارمة، وربما قوة مراقبة دولية أو إفريقية، تضمن الالتزام وتمنع الانزلاق مجددًا إلى القتال.

*ثانيًا، لا بد من إعادة تعريف مفهوم (الدولة السودانية)… لا يمكن العودة إلى ما قبل أبريل 2023، ولا حتى إلى ما قبل سقوط نظام البشير.. السودان بحاجة إلى عقد اجتماعي جديد، يعيد توزيع السلطة والثروة بشكل عادل، ويعترف بالتنوع الإثني والثقافي، ويضع أسسًا حقيقية للحكم المدني. هذا يتطلب عملية سياسية شاملة لا تُقصي أحدًا، ولكن في الوقت ذاته لا تُكافئ من تلطخت أيديهم بالدماء دون مساءلة.

*وهنا يأتي التحدي الثالث: العدالة الانتقالية.. لا يمكن بناء سلام دائم دون محاسبة الجرائم التي ارتُكبت خلال هذه الحرب – من قتل واغتصاب ونهب وتطهير عرقي – لا يمكن طيّها تحت شعار (التسوية السياسية).. المطلوب آلية عدالة انتقالية واضحة، تجمع بين المحاسبة والمصالحة، وتمنح الضحايا حقهم في الإنصاف، وتمنع تكرار المأساة.

 

*اقتصاديًا، يقف السودان على حافة الانهيار. البنية التحتية دُمّرت، والاستثمارات هربت، والعملة فقدت قيمتها، وملايين السودانيين أصبحوا تحت خط الفقر. لذلك، فإن أي حل سياسي يجب أن يترافق مع خطة إنعاش اقتصادي عاجلة، بدعم إقليمي ودولي، تركز على إعادة الإعمار، وخلق فرص عمل، وإعادة تشغيل مؤسسات الدولة. دون ذلك، سيظل السلام هشًا وقابلًا للانهيار عند أول أزمة.

 

*إقليميًا، لا يمكن تجاهل دور القوى المحيطة بالسودان. الحرب تحولت إلى ساحة لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية، وهو ما أطال أمدها وزاد من تعقيدها. لذلك، فإن أي حل مستدام يتطلب توافقًا إقليميًا على تحييد السودان عن صراعات النفوذ، ووقف دعم الأطراف المتحاربة، والالتزام بدعم مسار الاستقرار.

*أما على المستوى المجتمعي، فقد كشفت الحرب عن قوة استثنائية لدى الشعب السوداني، خاصة في مبادرات التكافل الشعبي ولجان المقاومة والمجموعات التطوعية. هذه القوى يجب أن تكون جزءًا من أي عملية إعادة بناء، لا أن يتم تهميشها لصالح النخب التقليدية. فالمجتمع الذي صمد ثلاث سنوات في وجه الانهيار، قادر على أن يكون شريكًا في صناعة السلام.

*في الذكرى الثالثة، لا يبدو الطريق سهلًا ولا قريبًا.. لكن التاريخ يعلمنا أن الدول التي مرت بتجارب أكثر قسوة استطاعت أن تنهض، حين توفرت الإرادة السياسية والرؤية الواضحة. السودان اليوم أمام مفترق طرق: إما الاستمرار في دوامة العنف والتفكك، أو الشروع في مسار صعب لكنه ضروري نحو السلام وإعادة البناء.

*حرب الكرامة، كما يسميها كثيرون، لن تكون ذات معنى حقيقي إذا لم تنتهِ بكرامة دولة، وكرامة شعب، وعدالة تليق بحجم التضحيات.. أما إذا استمرت كحلقة جديدة في سلسلة الصراعات، فإن الخسارة لن تكون فقط في الأرواح، بل في مستقبل وطن بأكمله.

*كاتب صحفي مصري