
مؤتمر برلين والسودان..حين تتحول (منصات السلام) إلى أدوات لإعادة تشكيل الشرعية
أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد
دكتور مزمل سليمان حمد
*في لحظة تاريخية فارقة يعيشها السودان، حيث تتقاطع الحرب مع أسئلة الدولة والهوية والسيادة، ينعقد ما يُعرف بـ(مؤتمر برلين الثالث) في برلين، وسط جدل محلي محتدم، بل يمتد إلى طبيعة المنهج الدولي في مقاربة الأزمة السودانية التي تقول كل الوقائع ان مليشيا (الدعم السريع) الارهابيه تمردت على الشرعية الدستورية للقوات المسلحة وبينما يُسوَّق المؤتمر بوصفه منصة تشاورية لدعم السلام، تتكاثر المؤشرات التي تدفع إلى قراءة أكثر عمقاً، تتجاوز الخطاب المعلن إلى تفكيك البنية السياسية والأخلاقية التي يقوم عليها.
*المفارقة الجوهرية لا تكمن فقط في انعقاد المؤتمر، بل في الطريقة التي صُمم بها. إذ أن تغييب الحكومة السودانية – باعتبارها الكيان المعترف به دولياً – ليس مجرد تفصيل إجرائي، بل يمثل تحوّلاً في فلسفة التعاطي الدولي مع الأزمات: من دعم الدول إلى إدارة ما فوق الدول. هذا التحول يعكس اتجاهاً متنامياً نحو تدويل الداخل، حيث تُعاد صياغة موازين القوى السياسية عبر منصات خارجية، تُمنح فيها شرعية رمزية لكيانات غير منتخبة أو غير مفوضة شعبياً
*إن أي عملية سلام جادة، في تجارب العالم المختلفة، تبدأ من الإعتراف بالشرعية الفاعلة على الأرض، لا القفز فوقها. ومن هنا، فإن إشراك قوى سياسية أو مدنية – مهما كانت أهميتها – دون إطار وطني جامع، ودون التنسيق مع الدولة ومؤسساتها ، يفتح الباب أمام خلق “مسارات موازية” لا تنتج حلولاً بقدر ما تعمّق الانقسام. بل إن هذا النهج قد يُفضي عملياً إلى إضعاف الدولة نفسها، عبر نقل مركز القرار من الداخل إلى الخارج.
*تتضاعف الإشكالية حين يُنظر إلى طبيعة التمثيل داخل المؤتمر.. فاختزال السودان، بكل تعقيداته الاجتماعية والسياسية، في عدد محدود من المشاركين المختارين،وتجاوز الحكومة الشرعية يطرح سؤالاً جوهرياً: من يمنح التفويض؟ وهل يمكن لمجموعة انتقائية – مهما حسنت نواياها – أن تدّعي تمثيل شعب يعيش واحدة من أعقد أزماته؟ إن أزمة السودان ليست أزمة نخب فقط، بل أزمة مجتمع كامل، وأي مقاربة تتجاهل هذا العمق تتحول إلى تمرين نظري معزول عن الواقع.
*أما البعد الأكثر حساسية، فيتعلق بشبهة اختلال التوازن في الرعاية والوساطة.. فحين تُطرح تساؤلات حول دور بعض الأطراف الإقليمية، مثل الإمارات العربية المتحدة، في دعم وتمويل المليشيا المتمردة الارهابية – الدعم السزيع – والذي تأكد عبر آلاف الادلة والوثائق الدامغة ، فإن ذلك ينعكس مباشرة على مصداقية أي منصة تشارك فيها أو ترعاها. فالوساطة، لكي تكون مقبولة، يجب أن تقوم على الحياد، أو على الأقل على مسافة واحدة من جميع الأطراف. وأي انطباع بخلاف ذلك يقوّض الثقة في مخرجات المؤتمر، مهما كانت صياغتها أنيقة أو لغتها دبلوماسية.
*من جهة أخرى، لا يمكن إنكار أن المجتمع الدولي، بما في ذلك ألمانيا، يتحرك بدوافع معلنة تتعلق بوقف الحرب، والدوافع الإنسانية ، وتفادي تداعيات إقليمية أوسع. غير أن المشكلة لا تكمن في النوايا بقدر ما تكمن في الأدوات. فالتجارب السابقة – من مؤتمرات باريس إلى لندن – أظهرت أن الحلول المفروضة أو شبه المفروضة من الخارج غالباً ما تفتقر إلى الاستدامة، لأنها لا تنبع من توافق وطني حقيقي.
*وفي هذا السياق، تبدو التحركات الرافضة للمؤتمر – سواء عبر بيانات القوى السياسية أو عبر الحراك المدني في المهجر – تعبيراً عن قلق مشروع من أن يتحول “السلام” إلى عنوان لإعادة توزيع النفوذ، لا لإنهاء الحرب. فالاعتصامات والندوات التي ينظمها سودانيون في الخارج ليست مجرد رد فعل، بل محاولة لإعادة طرح سؤال التمثيل والشرعية في قلب النقاش الدولي.
*ومع ذلك، فإن رفض المؤتمر – في حد ذاته – لا يكفي. فالتحدي الحقيقي يكمن في تقديم بديل عملي، لا يكتفي برفض المسارات الخارجية، بل يسعى إلى بناء مسار وطني قادر على استيعاب تعقيدات الأزمة. وهذا يتطلب، أولاً، إعادة الاعتبار لفكرة (الحوار السوداني–السوداني)، ليس كشعار، بل كعملية منظمة تشمل القوى السياسية والمجتمعية، والنازحين، واللاجئين، وكل من تأثر بالحرب. كما يتطلب، ثانياً، تطوير رؤية واضحة للعلاقة مع المجتمع الدولي، تقوم على الشراكة لا الوصاية، وعلى الدعم لا الإملاء. وعلى إيقاف الدعم وتقديم السلاح وتمويل جلب المرتزقة الذين يغزون نار الحرب.. وهي أولى خطوات السلام. إيقاف الدعم عن المتمردين وجلبهم للسلام.
*أما بالنسبة للمنظمين، فإن إعادة النظر في منهجية المؤتمر تبدو ضرورة ملحّة. فبدلاً من تجاوز الدولة، يمكن العمل على تهيئة بيئة تفاوضية حقيقية، تُشرك الحكومة والأطراف الأخرى في إطار متوازن. وبدلاً من الاكتفاء بلقاءات نخبوية مغلقة، يمكن توسيع قاعدة المشاركة لتشمل طيفاً أوسع من الفاعلين السودانيين. كما أن الشفافية في معايير الاختيار، والوضوح في الأهداف، يمثلان شرطين أساسيين لاستعادة الثقة.
*في النهاية، لا يمكن لأي مؤتمر – مهما حسنت نواياه – أن ينجح إذا لم ينطلق من احترام سيادة السودان، والاعتراف بأن الحلول المستدامة لا تُصنع في القاعات المغلقة، بل في الداخل، حيث تتشكل الإرادة الحقيقية للشعوب. إن برلين قد تكون محطة مهمة في مسار النقاش الدولي، لكنها لن تكون بديلاً عن الخرطوم، ولا عن صوت السودانيين أنفسهم، الذين يملكون وحدهم حق تحديد مستقبلهم.