آخر الأخبار

تداعيات فشل مفاوضات إيران والولايات المتحدة ومستقبل الصراع في مضيق هرمز

 

د. ميمونة سعيد آدم أبورقاب

*في أعقاب فشل جولة المفاوضات الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران، دخلت منطقة الشرق الأوسط مرحلة جديدة تتسم بدرجة عالية من التعقيد والخطورة، حيث لم يعد الصراع مقتصرًا على أدوات الضغط السياسي والدبلوماسي، بل تحول إلى مواجهة متعددة الأبعاد تشمل الاقتصاد العالمي، وأمن الطاقة، والانتشار العسكري البحري في واحدة من أهم المناطق الاستراتيجية في العالم، وهي مضيق هرمز.

*لقد شكّل التصعيد الذي أعقب الضربات الأمريكية – الإسرائيلية على إيران نقطة تحول مفصلية، إذ انتقلت الأزمة من مرحلة الاحتواء إلى مرحلة الاشتباك المفتوح. الرد الإيراني بإعاقة الملاحة في مضيق هرمز لم يكن مجرد رد تكتيكي، بل رسالة استراتيجية تؤكد أن طهران قادرة على تهديد النظام الاقتصادي العالمي من خلال استهداف شريان الطاقة الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية. ومع إعلان الولايات المتحدة فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية، أصبحت المنطقة أمام معادلة صراع معقدة تتداخل فيها القوة الصلبة مع أدوات الضغط الاقتصادي.

*أولًا: الاستراتيجية الأمريكية–الإسرائيلية – خنق متعدد المسارات

من المتوقع أن تواصل الولايات المتحدة وإسرائيل العمل وفق استراتيجية الخنق الذكي، التي لا تهدف إلى إسقاط النظام الإيراني بشكل مباشر، بل إلى إنهاكه تدريجيًا ودفعه نحو تقديم تنازلات استراتيجية. وتشمل هذه الاستراتيجية تكثيف الحضور البحري في الخليج، وتأمين خطوط الملاحة الدولية، إلى جانب تنفيذ عمليات نوعية تستهدف البنية العسكرية الإيرانية، خاصة القدرات الصاروخية والبحرية.

*إلى جانب ذلك، ستلعب الحرب السيبرانية دورًا متزايد الأهمية، من خلال استهداف البنية التحتية الحيوية في إيران، بما في ذلك شبكات الطاقة والاتصالات. كما سيستمر الضغط الاقتصادي عبر تشديد العقوبات ومنع تصدير النفط، في محاولة لتقليص الموارد المالية التي تعتمد عليها طهران في تمويل عملياتها الإقليمية.

*غير أن هذه الاستراتيجية، رغم فعاليتها الظاهرة، تحمل مخاطر التصعيد غير المحسوب، خاصة في ظل الطبيعة غير المتكافئة للصراع.

*ثانيًا: الاستراتيجية الإيرانية – استنزاف وتوسيع دائرة الضغط

في المقابل، تعتمد إيران على نموذج الحرب غير المتكافئة، حيث تسعى إلى تعويض الفارق العسكري من خلال أدوات الاستنزاف. ويشمل ذلك استخدام الألغام البحرية، والطائرات المسيّرة، والهجمات غير المباشرة على ناقلات النفط والسفن التجارية. كما تعمل على توسيع رقعة الصراع عبر حلفائها في المنطقة، ما يخلق حالة من الضغط المتعدد الجبهات على خصومها.

*إيران تدرك أن المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة قد تكون مكلفة، لذلك تراهن على الزمن، وعلى قدرة الاقتصاد العالمي على تحمل صدمات الطاقة. فكلما ارتفعت أسعار النفط، زادت الضغوط على القوى الكبرى للتدخل وفرض تسوية سياسية.

*كما أن التماسك الداخلي الإيراني، رغم التحديات، يلعب دورًا في إطالة أمد الصراع، خاصة في ظل الخطاب القومي الذي يوظف فكرة الصمود في مواجهة الضغوط الخارجية.

*ثالثًا: الصين – براغماتية القوة الاقتصادية: الصين تقف في موقع بالغ الحساسية، فهي من جهة تعتمد بشكل كبير على نفط الخليج، ومن جهة أخرى تسعى لتجنب الانخراط العسكري المباشر. لذلك، تتبنى بكين سياسة براغماتية تقوم على تحقيق التوازن بين حماية مصالحها الاقتصادية وتجنب التصعيد.

*من المرجح أن تستمر الصين في دعم إيران اقتصاديًا بطرق غير مباشرة، سواء عبر التجارة أو الالتفاف على العقوبات، مع ممارسة ضغط دبلوماسي لخفض التوتر وضمان استمرار تدفق الطاقة. كما قد تسعى إلى لعب دور الوسيط في مراحل لاحقة، مستفيدة من علاقاتها مع الطرفين.

*الصين لا تريد حربًا طويلة، لكنها أيضًا لا تقبل بإعادة تشكيل النظام الإقليمي بما يخدم الهيمنة الأمريكية فقط.

*رابعًا: روسيا – استثمار الصراع وإعادة التموضع: أما روسيا، فتنظر إلى الصراع كفرصة لإعادة التوازن الدولي، عبر إضعاف النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط. ومن المتوقع أن تستمر في تقديم دعم غير مباشر لإيران، سواء على المستوى السياسي أو الاستخباراتي، مع الاستفادة من ارتفاع أسعار الطاقة لتعزيز اقتصادها. كما تسعى موسكو إلى توسيع حضورها في المنطقة، مستفيدة من انشغال الولايات المتحدة، وهو ما قد يعيد تشكيل خريطة النفوذ الإقليمي على المدى المتوسط.

*خامسًا: السيناريوهات المحتملة – بين الانفجار والاحتواء: في ضوء المعطيات الراهنة، يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية للصراع:

-تصعيد شامل: يتحول إلى حرب إقليمية واسعة، تشمل أطرافًا متعددة، ما يهدد استقرار المنطقة والعالم.

-حرب استنزاف طويلة: وهو السيناريو الأكثر ترجيحًا، حيث تستمر العمليات المحدودة دون حسم، مع تأثيرات اقتصادية عالمية عميقة.

-عودة إلى المفاوضات: تحت ضغط الخسائر والتكاليف، قد يضطر الطرفان إلى العودة لطاولة الحوار بشروط جديدة.

*إن ما يحدث اليوم في مضيق هرمز ليس مجرد أزمة عابرة، بل لحظة مفصلية في تاريخ النظام الدولي. فالصراع لم يعد بين دولتين فقط، بل بين رؤيتين للنظام العالمي: واحدة تسعى للهيمنة، وأخرى تقاوم لإثبات الوجود. وبين هذا وذاك، تقف قوى كبرى تراقب وتناور، في انتظار اللحظة المناسبة لإعادة رسم موازين القوى.

*وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يتجه العالم نحو تسوية عقلانية، أم نحو مواجهة أوسع قد تعيد تشكيل الخريطة الجيوسياسية بالكامل؟.