آخر الأخبار

حين يتآكل الداخل… انشقاق النور قُبة يكشف أزمة الثقة والبنية داخل الدعم السريع (1-2)

 

د. عبد الناصر سِلِم حامد

*في العادة، لا أميل إلى الكتابة في القضايا المرتبطة بالقبائل، ليس تجاهلاً لها، بل لأن هذا الملف في دارفور شديد الحساسية، وأي تناول غير دقيق قد يُفهم خارج سياقه. لكن في بعض اللحظات، يصبح تجاهل هذا البعد مستحيلاً، لأن فهم ما يجري على الأرض لا يكتمل بدونه. ليس الهدف هنا توصيف القبائل أو الانحياز لها، بل قراءة المشهد كما هو، ضمن توازناته الحقيقية التي تُحرك الأحداث في الإقليم.

*في هذا السياق، لا يبدو انشقاق اللواء النور أحمد آدم (النور قُبة) عن قوات الدعم السريع في أبريل 2026 حدثاً معزولاً، بل لحظة انكشاف لمسار طويل كان يتشكل بصمت داخل بنية هذه القوة. فالأحداث الكبيرة في دارفور نادراً ما تبدأ بشكل مفاجئ، بل تأتي نتيجة تراكمات صامتة لا تظهر إلا عندما تصل إلى نقطة لا يمكن إخفاؤها.

*في دارفور، لا تُقاس القوة بالسلاح فقط، بل بالقدرة على الحركة داخل شبكة معقدة من المسارات الرعوية، والامتدادات القبلية، وشبكات النفوذ العابرة للحدود. هذه الشبكة تمثل ما يمكن تسميته بـ(العمق العملياتي غير المرئي)، ومن يملكها يملك القدرة على التأثير الفعلي، حتى وإن لم يظهر ذلك في التقديرات العسكرية التقليدية. ولهذا، فإن القادة الذين نشأوا داخل هذا الواقع لا تُقاس أهميتهم برتبهم، بل بقدرتهم على إدارة هذه الشبكة المعقدة.

 

*من هذه الزاوية، لا يبدو النور قُبة مجرد قائد ميداني، بل أحد مفاتيح هذه الشبكة. فهو ينتمي إلى المحاميد، أحد الفروع الرئيسية للرزيقات الشمالية، وهي ذات البيئة التي خرج منها موسى هلال، بما تمثله من ثقل داخل منظومة الإدارة الأهلية. وفي مثل هذا السياق، لا يكون القائد مجرد موقع تنظيمي، بل عقدة داخل شبكة علاقات؛ وعندما تتحرك هذه العقدة، فإن الأثر لا يكون فردياً، بل يمتد إلى التوازنات التي ترتبط بها.

 

*الدعم السريع، بطبيعته، لم يُبنَ كمؤسسة عسكرية تقليدية، بل كنظام توازنات بين قوى قبلية وميدانية ومصالح متداخلة. هذا النموذج نجح في فترات التوسع، حين كانت الموارد والتمدد يغطيان التناقضات، لكنه يصبح أكثر هشاشة عندما تتراكم الضغوط، وتبدأ المصالح في التصادم، ويظهر التفاوت بين من يملكون القرار ومن يملكون الأرض.

*ما حدث خلال الأشهر الماضية يشير بوضوح إلى أن هذا التوازن بدأ يختل تدريجياً. لم يكن الأمر صداماً مباشراً، بل سلسلة من المؤشرات الصغيرة التي بدت في وقتها هامشية، لكنها في الواقع كانت تعكس تحولاً عميقاً داخل البنية. من هذه المؤشرات: التعيينات، إعادة توزيع النفوذ، وطبيعة التعامل مع بعض القيادات الميدانية.

*ومن أهم هذه التحولات ما بدأ منذ أواخر 2025، مع تصاعد حالات الاعتقال داخل الدوائر الحساسة، وعلى رأسها اعتقال عباس كتر بخيت، أحد قيادات الزغاوة ذات النفوذ القبلي، والذي كان يشغل موقعاً مهماً في الجهاز الاستخباراتي بشمال دارفور قبل سقوط الفاشر. في مثل هذه البنى، يُعد هذا الجهاز العمود الفقري لما يمكن تسميته بـ(الأمن الداخلي التنظيمي)، حيث لا يقتصر دوره على جمع المعلومات، بل يمتد إلى ضبط الولاءات وإدارة التوازنات.

*وعندما يتعرض هذا المستوى للاهتزاز، فإن ذلك لا يُقرأ كحادثة فردية، بل كمؤشر على خلل في منظومة (إدارة الثقة).. ففي مثل هذه التكوينات، لا يبدأ التفكك عندما تختلف القيادات، بل عندما تبدأ في الشك ببعضها.. فالولاء هنا ليس انضباطاً عسكرياً فقط، بل علاقة اجتماعية ممتدة، وعندما يتحول إلى موضع اختبار، فإن ذلك يعيد تشكيل طبيعة التماسك داخل التنظيم بالكامل.

*هذا التحول لا يظهر فوراً في شكل انقسامات، بل يخلق حالة من الحذر داخل القيادات، حيث تبدأ كل مجموعة في بناء دوائر أمان خاصة بها، وهو ما يؤدي تدريجياً إلى تفكك القرار المركزي. وهذه هي المرحلة التي يمكن وصفها بـ(القلق البنيوي)، وهي أخطر من الانقسام المعلن، لأنها تحدث بصمت.

– نواصل-