رأس السنة الايزيدية
حيدر الاداني – العراق
عيد رأس السنة الأيزيدية المعروف باسم ( جارشما سر سالي ) هو لحظة البدء الأولى في الوجدان الأيزيدي ، اليوم الذي يتجدد فيه الزمن و تنهض فيه الحياة من سكونها و يصادف في يوم الأربعاء الأول من شهر نيسان وفق التقويم الشرقي بفارق ثلاثة عشر يوماً عن التقويم الغربي و فيه تتجه قلوب الأيزيديين في كل بقاع العالم نحو معبد لالش النوراني حيث تتجلى القداسة و تقام الطقوس و تتعانق الدعوات مع نور الفجر.
في فلسفة الديانة الايزيدية يمثل هذا العيد رمزاً لأنبثاق الخليقة و بداية الكون حين تشكلت الحياة لأول مرة فصار هذا اليوم عنوانا لتجدد الوجود وبشارة للخصب والربيع و لهذا سمي ايضاً (جارشما نيساني)نسبة الى شهر نيسان الذي يعد عروس السنة وزينتها.
مع بزوغ نور الصباح يرتدي الايزيديون اجمل ما لديهم من ازياء تقليدية زاهية تعكس فرح الروح و نقاء الإنتماء و تتوجه العائلات الى المقابر حيث تمتزج مشاعر الحنين بالدعاء على أرواح الراحلين في صورة وفاء لا تنقطع ، بعدها تتبادل الزيارات و التهاني بين الاهل والجيران.
وعند الظهيرة تتسع دائرة الفرح لتحتضن الطبيعة الجميع فتقام الاحتفالات في الهواء الطلق حيث تصدح الاغاني الفلكلورية و تتعالى الدبكات الشعبية في أنسجام مع الارض التي تستعيد عافيتها و مع المساء يظل الفرح ممتداً كنبض لا ينقطع.
تحمل طقوس هذا العيد رموزاً عميقة الجذور فصبغ البيض بالوان الربيع يعبر عن تشبيه الارض في بدايات خلقها حين كانت لينة قابلة للتشكل ثم يكسر البيض وتنثر قشوره فوق الحقول طلبا للبركة و حماية للمحاصيل كما تزين عتبات البيوت بشقائق النعمان مع قشور البيض و الطين في إشارة الى حلول الربيع و تجدد الحياة.
في لالش تضاء القناديل و تعلق فتائل النور في مشهد روحاني يرمز الى انبثاق النور الاول و توزع الخيرات على الزائرين في دلالة على العطاء والتكافل و يحرص الكثيرون على غسل وجوههم بمياه الينابيع المقدسة طلبا للنقاء و البركة.
ومن تقاليد هذا الشهر الامتناع عن الزواج طوال شهر نيسان ايماناً بان الطبيعة هي عروس السنة و يسمى هذا الشهر باللغة الايزيدية (بوكا سالي) و هو تعبير عن احترام دورة الحياة و قدسيتها.
و رغم محاولات تشويه هذا العيد او اختزاله بتسميات دخيلة ذات ابعاد سياسية مثل ما يسمى ( بالاربعاء الاحمر ) يبقى الاسم الاصيل حياً في وجدان الايزيديين
(جارشما سر سالي) بما يحمله من معنى عميق متجذر في العقيدة والتراث الأيزيدي قد حافظ هذا العيد على هويته عبر العصور رغم اختلاف التسميات التي اطلقها بعض الرحالة والباحثين.
يعد هذا العيد كونه عيد البداية الكبرى عيد ولادة الكون وتجدد الحياة يحمل رسالة سلام و انسجام مع الطبيعة و يجسد تمسك الأيزيديين بهويتهم الروحية و تراثهم الاصيل في وجه كل محاولات الطمس و التهميش و يبقى شاهداً حياً على عمق هذا الوجود و استمراريته عبر الزمن.