آخر الأخبار

عوداً حميداً مستطاب.. (22) حافلة من الحنين تعبر إلى الديار

  • في المعبر كان المشهد مغايراً لكل ما ألفناه ضباط يبتسمون وأيادٍ تمتد
  • من تخوم أم درمان كان المشهد الذي أثلج الصدور

أم درمان – زلال الحسين:
هنا، في السودان، الحبُّ فعلٌ لا قول على هذه الأرض، لا يُرفع الحبُّ لافتةً في الطرقات أو يقال بالكلمات، بل يمشي على قدمين، يُحَسُّ في الشهامة، ويُرى في الكرامة. تلقاه في استقبالٍ يفيض وداً، وفي عابرٍ يحمل همّك طوعاً.. المروءةُ فيه لا تُباع ولا تُشترى، بها يحيا الرجالُ ويُعرفون.. والجمالُ فيه سجيّة، وأيادي أهلهِ أحنى إذا ضمّت، وأكرمُ إذا أعطت
استقبال العائدين:


وكان المشهد الذي أثلج الصدور يبدأ من تخوم أم درمان..ما إن لاحت طلائع الحافلات حتى اصطفّ المواطنون على امتداد الطريق، كتفاً لكتف، يستقبلون العائدين بالتلويح والزغاريد. كان ترحيباً مرئياً ومحسوساً، أبلغ من كل خطابٍ مسموع. لحظة تفاعل فيها المسافرون مع أهلهم في الطرقات بعفوية صادقة، فاضت بها العيون قبل الحناجر، وكانت أصدق من كل مراسم رُتّب لها من الترقب إلى العناق.. حكاية الطريق إلى الديار.
التنظيم الدقيق:
عند المغادرة بدأت ملامح التنظيم الدقيق تتضح منذ لحظة الوصول إلى موقع تجمع الحافلات بالقاهرة
بدأت القافلة مسيرها مع أول خيوط النهار، والعيون معلقة بالأفق تبحث عن أولى بشائر الوطن.. هدأت الحافلات قليلاً في محطات الطريق، لتتزود الأجساد بالماء والزاد، وتستعيد الأنفاس بعضاً من قوتها، ثم استأنفت دربها صوب الوطن . قبل ان تتضح الوجوه السودانية بملامحها التي نعرف، ويسلل الأمان إلى الأرواح قبل أن تلامس الأقدام تراب الأرض.
مشاعر مختلطة:
على أبواب الديار.. يسبقنا الشوق قبل اليدين.. في المعبر كانت المشاعر مختلطة حتى إذا ما لاحت الوجوه السودانية في معبر أرقين، سكن كل شيء.. تلك السحنة المألوفة، وذلك السلام الذي يسبق الكلام، كانا أول جرعة من دواء اسمه السودان.
الطريق طويل، لكن الشوق كان أطول.. ، وفي المعبر، كان المشهد مغايراً لكل ما ألفناه ضباط يبتسمون وأيادٍ تمتد، وكلمة (حمداً لله سلامتكم تخرج من القلب قبل الشفاه)
للترحيب وزن القصيد :
كان الاستقبال في المعبر حافلاً ومختلفاً يكن الاستقبال إجراءً روتينياً، بل كان حفاوةً تليق بالعائدين ضباطٌ يستقبلون العائدين بوجوهٍ باشّة، وكان مدير جمارك أرقين في مقدمة الحضور، في مشهدٍ لافتٍ رسّخ للودّ قبل الإجراء.
لم يقف العميد محي الدين، ، ليتلو بياناً ،بل وقف ليتفقد العائدين (بعد الغياب بعد الليالي المرة في حضن العذاب عوداً حميداً مستطاب) هكذا افتتح كلمته التى ألقاها مرحبا بالمسافرين، مثمناً دورالعودة الطوعية التي أسهمت في تخفيف الأعباء على المواطن الذي خرج في ظل ظروف طارئة ومجبراً
وطمأن العائدين بأن الجمارك لن تحصل أي رسوم على الأمتعة الشخصية، مؤكداً حقهم في استيراد
ثم أردف البلاد ترحب بكم، وكل الهموم ستنجلي.
شهادات المسافرين:


شهادات من قلب الرحلة: (الحنين يتحدث.. والإجراءات لم تستغرق دقائق)
رغم بعض التعب الذي رافق المسير نحو دنقلا، سادت روح التفاؤل بين الركاب، توقاً إلى حياة كريمة تشبه تلك التي تركوها.
رغم التحديات، نحن نتذوق جمال السودان.

وليد موسى، أحد العائدين ورب أسرة، قال: الرحلة كانت موفقة جداً، والرفقة رائعة.. كونّا صداقات وكان شعورنا واحداً: أن نجتمع في أرض الوطن. كنا نتوقع مضايقات وتأخيراً في المعابر كما سمعنا، لكن الإجراءات كانت سريعة جداً في الجانبين المصري والسوداني. لم نستغرق وقتاً يُذكر في كامل الإجراءات… وأضاف: تكاليف العودة باهظة جداً لرب أسرة، وهذا عمل جبار أزاح هماً كبيراً عن كاهلنا. رغم التحديات، نحن للسودان نتذوق جماله.
تسهيلات العودة:
أما أحمد عوض، وهو أب لأربعة أطفال، فاعتبر مبادرة العودة الطوعية منقذاً لي ولأسرتي، مؤكداً: لم أرَ أي مضايقات إطلاقاً، لا في المعبر المصري ولا السوداني.. والله لم أكن لأستطيع جمع مبلغ التذاكر أبداً، ولو ظللت أجمع ستة أشهر لما استطعت.. أنا شاكر جداً لهذا الدعم لولا هذه الخدمة لبقيت كثيرا.

من القاهرة إلى الخرطوم.. جسرٌ نسجه المتعبون بالحب..
ميدان الخليفة يستقبل:


على هذا الوعد القديم، فتحت أم درمان ذراعيها .. لم يكن ميدان الخليفة ساحةً عابرة، بل صدراً اتسع لاثنتين وعشرين حافلة عائدة من القاهرة، تحمل في جوفها سنين من الحنين
لم يكن الوصول صدفة.. خلفه شباب آمنوا أن لا مقعد يجب أن يعود شاغراً. تابعوا، اتصلوا، وانتظروا حتى امتلأت كل الحافلات بأصحابها. وفي المعبر، كانت أيادٍ أخرى تجهز رحلة الوصول إلى الخرطوم وأم درمان، وهمست للعائدين: نحن جاهزون للمزيد.. فالباب الذي فُتح بالشوق، لا يُغلق.