انشقاق السافنا.. خطة التقويض من الداخل تبدد أحلام عائلة دقلو
تقرير- الطيب عباس:
في تطور عسكري لافت، توالت الأحداث المتسارعة في المشهد السوداني، بإعلان القائد البارز في مليشيا الدعم السريع، علي رزق الله السافنا، انشقاقه عن المليشيا وانضمامه بقواته إلى الجيش السوداني، وذلك بعد أيام قليلة من تسليم القائد الأخر النور القبة نفسه وقواته للجيش بالولاية الشمالية، في خطوة يراها مراقبون حاسمة في التعجيل بتوقيت تفكك المليشيا.
الإفلات من مصير (جلحة):
لا تختلف ظروف السافنا كثيرا عن ظروف النور القبة، حيث خضع الرجلين لمراقبة شديدة بعد ساعات قليلة من اقتحام دوامرهم في منطقة مستريحة فبراير الماضي بأوامر مباشرة من قائد ثاني المليشيا عبد الرحيم دقلو، وازدادت أحوال السافنا سوء بعد خطوة انضمام النور القبة للقوات المسلحة، حيث صدرت تعليمات من عبد الرحيم نفسه بتصفية السافنا، وهى الخطوة التي قادت الأخير للتعجيل بالانضمام للجيش، خشية من أن ينتهي به الحال مقتولا كرفيقه جلحة في إطار صراعات العائلة المجرمة.
من هو السافنا:

ينحدر (السافنا) من قبيلة الرزيقات، وتحديداً فرع المحاميد، ويُعد من أبرز القيادات الموالية للزعيم القبلي موسى هلال، الذي يُعتبر القائد التاريخي لقوات حرس الحدود في السودان. لم يكن ظهور اسم السافنا وليد اللحظة، بل برز خلال السنوات الماضية ضمن الحركات المسلحة التي تنقلت بين تمردات واتفاقات سلام متعددة، قبل أن يصبح أحد الأسماء البارزة المرتبطة بالصراعات المسلحة في إقليم غرب السودان. بدأ مساره المسلح في عام 2005 بالانضمام إلى حركة (تحرير السودان للعدالة) بقيادة علي كاربينو، ثم انشق عنها ليوقع اتفاقاً مع الحكومة السودانية في عام 2013، تم بموجبه استيعابه في الجيش برتبة ضابط ضمن الفرقة 20 مشاة.
لم يستمر استقرار السافنا داخل المؤسسة العسكرية طويلاً، إذ عاد إلى التمرد في عام 2016 إثر خلافات داخلية وسلسلة اشتباكات في شرق دارفور، أسفرت عن سقوط نائبه خريف، وما تلا ذلك من هجمات على مواقع حكومية. ورغم مشاركته في مسار (الحوار الوطني)خلال عهد الرئيس السابق عمر البشير عام 2017، إلا أنه أعلن تمرده مجدداً وانضم إلى (مجلس الصحوة الثوري) بقيادة موسى هلال. وفي نوفمبر 2017، أُلقي القبض عليه خلال اشتباكات في شمال دارفور، ليواجه محاكمات عسكرية بتهم القتل العمد والعصيان، قبل أن تُسقط المحكمة معظم التهم لعدم كفاية الأدلة، ويُطلق سراحه بعد نحو 4 سنوات. ومع اندلاع الحرب الشاملة بين الجيش السوداني والمليشيا في منتصف أبريل 2023، عاد السافنا للظهور، منخرطاً في القتال إلى جانب حميدتب كأحد أبرز قادته الميدانيين، قبل أن يقرر مؤخراً تغيير مساره مجدداً
التقويض من الداخل:

وفق مراقبين، فإن استخبارات الجيش السوداني، ضمن خطتها لتقويض المليشيا من الداخل لعبت دورا كبيرا في تفكيك الجنجويد من خلال استثمار الخلافات بين القادة البارزين بالمليشيا وعائلة دقلو، حيث نجحت هذه الخطة في سحب أبو عاقلة كيكل والنور القبة والآن السافنا.
وقالت منصة (أفريقيا انتليجنس) الفرنسية، إن قائد الجيش عبد الفتاح البرهان يقود منذ فترة خطة تقويض المليشيا من الداخل، وذلك بالاستثمار في تباينات المليشيا التي تسيطر عليها أسرة واحدة، وتغزية مخاوف القادة غير المرغوب فيهم من أسرة دقلو، كا النور القبة والسافنا ونحو خمسة قيادات أخرى لم تسمها.
وأوضحت المنصة الفرنسية، أن البرهان نجح بشكل مدهش في هذه الخطة، معتبرة أن انضمام الرجل الثالث في الدعم السريع للجيش السوداني ستكون له ارتدادات هائلة في الصراع المسلح الممتد من ثلاثة أعوام.
وأشارت إلى أن هذه التطورات تأتي في وقت حساس من تاريخ السودان، حيث تعكس هذه التحولات العسكرية تراجعاً في التماسك الداخلي للمليشيا، معتبرة أن توالي هذه الانسحابات يمثل ضربة معنوية واستراتيجية، مما قد يغير من خريطة السيطرة الميدانية في عدة جبهات، خاصة في إقليم دارفور ويزيد من فرص التفاف المكونات القبلية حول مؤسسات الدولة الرسمية. أما على الصعيدين الإقليمي والدولي، فإن هذه التغيرات تُرسل إشارات واضحة للمجتمع الدولي والوسطاء الإقليميين بأن موازين القوى على الأرض تشهد تحولات جوهرية، مما قد يؤثر على مسارات التفاوض المستقبلية والمبادرات المطروحة لوقف إطلاق النار وإحلال السلام الشامل في المنطقة.
عودة السافنا ستلقي بظلالها حسب الباحث د. عثمان نورين على الأوضاع الميدانية في الأرض وعلى معنويات عناصر المليشيا، مشيرا إلى أن الفترة القادمة ستشهد المليشيا عملية انشقاقات كبيرة ورحلات عكسية نحو الولاية الشمالية.
ولفت نورين إلى أن هروب رئيس ما يسمى بالإدارة المدنية بجنوب دارفور يوسف إدريس إلى دولة جنوب السودان، وقبله هرب ناظر الرزيقات إلى الدولة نفسها، يؤكد أن قيادات المليشيا مشغولين حاليا بترتيب مستقبلهم وتوفيق ظروفهم أكثر من انشغالهم بصد قوات الجيش السوداني التي بدأت توغلا في غرب وجنوب دارفور، دون مقاومة، لافتا إلى انشقاق السافنا يكشف أن المليشيا فقدت الشغف في القتال ولم تعد تستطيع الصبر في الحروب.
مفاجأة صاعقة:
لا يعتبر الكاتب الصحفي، عبد الماجد عبد الحميد، انشقاق السافنا مفاجئا أو مدهشا لمن يعرفون التركيبة المتناقضة للجنجويد، مشيرا إلى أن خطوة السافنا ستعقبها خطوات مماثلة من قادة أخرين، ونوه عبد الماجد إلى أن ما يجري الآن من مغادرة أعداد كبيرة من السياسيين والاعلاميين، صفوف التمرد، وكانوا حتى وقت قريب من أكبر داميها، لم يفعلوا ذلك عن قناعة متجزرة، وإنما ليقينهم بفشل مشروع آل دقلو، ومع ذلك أعلن عبد الحميد الترحيب الكامل بكل من يضع السلاح وينضم للجيش.
انهيار جليدي:

بعد لحظات من انتشار خبر انشقاق السافنا، خرج إعلاميو المليشيا في رسالة موحدة تكذب الخبر، دون تقديم دليل، في خطوة ينظر لها على أنها محاولة متعجلة لطمأنة الجنجويد، حيث اتسعت مخاوف عبد الرحيم دقلو وشقيقه المجرم، من أن يستيقظوا ذات صباح ولا يجدوا إلا أقاربهم من الدرجة الأولى، وأن مشروعهم التخريبي المدعوم من أبو ظبي، أصبح أثرا بعد عين.
لكن هل سيحدث هذا؟، نعم ممكن، وفق الكاتب الصحفي عزمي عبد الرازق، بل فإن عزمي سمى انشقاق السافنا بالانهيار الجليدي، وهى دلالة رمزية توحي بتسارع الأحداث.
وأوضح أن انشقاق السافنا وانضمامه للجيش، يسهم في تقليل قطرات الدم وتقصير أمد الحرب، وأمنياً سيعرقل مخططات التقسيم واختراق البلاد أكثر، وسياسياً يمهد لاستعادة القرار والاستقرار وعودة مؤسسات الدولة وصوتها الخارجي ويضعف القوى الداعمة للتمرد، واعتبر عودة السافناةلحضن الوطن، نجاح استخباري في المقام الأول، محذرا في ذات الوقت من المبالغة في الترحيب به، لكونه يستفز مشاعر الضحايا، وتلك قصة أخرى.
السافنا واحد من 6 قادة بارزون، جرى التواصل معهم مؤخرا في إطار خطة تقويض الجنجويد من الداخل، في وقت يتوقع مراقبون أن يلحق هؤلاء القادة بالجيش السوداني في أقرب وقت، مشيرين إلى أن جميع قادة الجنجويد، بما فيهم الإعلاميين توصلوا لقناعة باضمحلال تجربة التمرد وانحداره بتسارع نحو النهاية، وبالتالي فإن التسليم للجيش يبدو الخيار الجيد والضوء الوحيد في هذه العتمة، فهل تنجح خطة التقويض من الداخل كما توقعت منصة (أفريقيا انتليجنس).