
المواصفات والمقاييس السياسية لضبط العمل السياسي
موطئ قلم
د. أسامة محمد عبدالرحيم
*ليست الدولة- في معناها العميق-مجرد جهازٍ لإدارة الشأن العام، بل منظومةٌ تُؤسَّس على معايير تضبط الفعل قبل أن تُقوِّم نتائجه. ومن هذا المنطلق، لم تنشأ هيئات المواصفات والمقاييس في الدول عبثًا، بل بوصفها أدواتٍ لحماية المجتمع من الفوضى، وضمان الجودة، وإرساء الثقة في كل ما يُنتَج ويُتداول.. فهي لا تُقاس بها السلع فقط، بل تُصان بها فكرة النظام ذاته. غير أن المفارقة التي تكشفها التجربة السودانية اليوم، أن المجال الأكثر تأثيرًا في مصير الدولة- وهو المجال السياسي- يظل في كثيرٍ من الأحيان بلا معيارٍ جامع، ولا ميزانٍ ضابط.
*لقد أفرزت الأزمات المتراكمة في السودان واقعًا سياسيًا تتداخل فيه الأدوار، وتختلط فيه الوسائل بالغايات، حتى أصبح من الصعب التمييز بين ما هو مشروع وما هو مهدِّد لبنية الدولة. ولم تعد المشكلة في اختلاف الرؤى، بقدر ما باتت في غياب المرجعية التي تُحدِّد حدود هذا الاختلاف. إن المشكلة في السودان ليست فقط في من يحكم، بل في غياب المعايير التي تُحدد كيف يُحكم.
*ومن هنا تبرز الحاجة إلى التفكير في إنشاء الهيئة الوطنية للمواصفات والمقاييس السياسية، ككيانٍ مؤسسي يعيد صياغة العلاقة بين السياسة والدولة، من خلال وضع إطارٍ معياري يُنظِّم العمل السياسي، ويُحدِّد شروطه، ويُصنِّف ممارساته.
*هذه الهيئة- في جوهر فكرتها- لا تُراد لها أن تكون أداة رقابةٍ قمعية، ولا سلطةً فوق السياسة، بل مرجعيةً معيارية تُقاس بها الأفعال، وتُوزَن بها الخطابات، ويُحدد بها حدّ المشروعية.. فهي تُرسِّخ شروطًا لا يُقبل العمل السياسي دونها، تشمل معايير الكفاءة، والنزاهة، والشفافية، والمسؤولية الوطنية، بحيث لا يصبح العمل السياسي مفتوحًا لكل من امتلك القدرة على التعبئة أو التأثير، بل مشروطًا بحدٍ أدنى من التأهيل الأخلاقي والمهني.
*ويمتد دور هذه الهيئة ليشمل تصنيف الممارسات السياسية، وفق منظومةٍ دقيقة تُميِّز بين التنافس المشروع، الذي يُثري المجال العام، وبين السلوك الهدّام الذي يُقوِّض الدولة، وتُقرّ معيارًا وطنيًا يُعدّ العنف السياسي سلوكًا مُجرّمًا، وترفض استخدام السلاح كوسيلة للوصول إلى الحكم أو فرض المطالب، وتنقل الصراع السياسي من منطق الغلبة إلى منطق التنافس البرامجي.
*كما تضطلع الهيئة بوظيفةٍ لا تقل أهمية، تتمثل في ضبط الخطاب السياسي والإعلامي، من خلال وضع معايير تحكم استخدام المنابر العامة، وتمنع التحريض، وتُقيِّد خطاب الكراهية، وتُلزم الفاعلين السياسيين بمستوى من المسؤولية يتناسب مع تأثيرهم في المجتمع.. فالكلمة- في سياق الأزمات- ليست مجرد تعبير، بل قد تكون فعلًا يُمهِّد للعنف أو يُغذِّيه.
*ومن الأبعاد الجوهرية لهذه الفكرة، إدماج القيم والأخلاق السياسية ضمن منظومة المعايير، بحيث لا يُختزل العمل السياسي في كونه صراعًا على السلطة، بل يُعاد تعريفه بوصفه التزامًا أخلاقيًا تجاه الوطن والمجتمع. فكما تُرفض السلع الرديئة في الأسواق، ينبغي أن تُرفض الممارسات السياسية التي تقوم على الخداع، أو استغلال الأزمات، أو المتاجرة بمعاناة الناس.
*غير أن نجاح مثل هذه الهيئة، لا يتوقف على وجودها الشكلي، بل على طبيعة تكوينها واستقلالها. فهي تحتاج إلى بنيةٍ مؤسسية تضم خبراتٍ قانونية، وسياسية، وأكاديمية، وإعلامية، وتتمتع بالحياد والاستقلال عن مراكز النفوذ، حتى لا تتحول إلى أداةٍ في يد السلطة أو وسيلةٍ لتصفية الخصوم. كما ينبغي أن تُسنَد قراراتها إلى إطارٍ دستوري وقانوني واضح، يضمن إلزاميتها، ويُحدِّد آليات المساءلة والمراجعة.
*إن أخطر ما يواجه الدول الخارجة من الأزمات، ليس فقط حجم التحديات، بل غياب القواعد التي تُدار بها. فحين تنهار المعايير، يتساوى الفعل الوطني مع الفعل الهدّام، وتفقد الدولة قدرتها على التمييز بين من يبنيها ومن يُقوِّضها. وهنا تتحول السياسة من أداةٍ لإدارة الدولة، إلى ساحةٍ لإضعافها.
*إن فكرة الهيئة الوطنية للمواصفات والمقاييس السياسية، تمثل محاولةً لإعادة تأسيس المجال العام على قواعد واضحة، تُعيد للسياسة معناها، وتُعيد للدولة قدرتها على الضبط والتوجيه. فهي ليست حلًا سحريًا، لكنها خطوةٌ في اتجاه بناء دولةٍ تُدار بالمعايير، لا بالأمزجة، وبالقواعد، لا بردود الأفعال.
*غير أن أي طرحٍ لإنشاء هيئة وطنية للمواصفات والمقاييس السياسية، لا يمكن أن يُكتب له القبول أو الاستمرار، ما لم يُحسم موقعه داخل البنية الدستورية والقانونية للدولة، تجنبًا للتداخل مع المؤسسات القائمة، أو مصادرة اختصاصاتها.. وهنا تبرز ثلاثة مستويات للعلاقة:
مع قانون تنظيم الأحزاب، ومع المحكمة الدستورية، ومع المجالس التشريعية
فعلى مستوى قانون تنظيم الأحزاب، لا تقوم هذه الهيئة مقامه، ولا تنازعه في اختصاصاته التنظيمية، بل تعمل في مستوى أعمق؛ إذ يظل القانون معنيًا بتسجيل الأحزاب وضبط هياكلها وإجراءاتها، بينما تضطلع الهيئة بوضع المعايير النوعية للممارسة السياسية، بما يشمل السلوك، والخطاب، والالتزام بالقيم الوطنية. فهي لا تُنشئ الأحزاب، بل تُقيِّم جودة أدائها، وتُقدِّم إطارًا مرجعيًا يُطوِّر العمل الحزبي من الشكل القانوني إلى المضمون المؤسسي.
*أما في علاقتها بالمحكمة الدستورية، فإن التمايز أكثر وضوحًا. فالمحكمة تُمارس وظيفة قضائية عليا، تفصل في دستورية القوانين، وتحسم النزاعات وفق نصوص الدستور، بينما تبقى الهيئة المقترحة في دائرة التقويم المعياري والتصنيف المهني، دون أن تمتلك سلطة الحكم أو الإبطال.
*فهي تُحدِّد ما هو سلوكٌ سليم أو منحرف وفق معايير وطنية، لكن الفصل القانوني والعقوبة تظل من اختصاص القضاء. وبهذا المعنى، فإن الهيئة تُغذِّي القضاء بإطارٍ معياري، ولا تحل محله.
*وفيما يتعلق بالمجالس التشريعية، فإن العلاقة هنا علاقة تكامل مباشر.. فالمجالس تشرّع القوانين وتُراقب الأداء التنفيذي، لكنها كثيرًا ما تفتقر إلى أدوات معيارية مستقلة تُقيِّم جودة السلوك السياسي ذاته. وهنا يمكن للهيئة أن تُشكِّل ذراعًا استشاريًا ومعرفيًا، يمدّ المشرّع بتقارير دورية، ومؤشرات أداء، وتصنيفات موضوعية، تُسهم في تحسين التشريع، وتدعيم الرقابة، ورفع مستوى النقاش العام من ردود الأفعال إلى قراءاتٍ مؤسسة على معايير واضحة.
*وبهذا التصور، لا تنشأ الهيئة بوصفها منافسًا لمؤسسات الدولة، بل كحلقةٍ مفقودة في منظومة الحكم، تسد فجوة المعايير بين النص القانوني والممارسة الواقعية، وتُعيد ربط السياسة بقواعد الدولة، بدل أن تتركها رهينةً لموازين القوة وتقلبات اللحظة.
*المشكلة ليست في ضعف القرار، بل في غياب الميزان الذي يمنح القرار معناه.. وحين يغيب هذا الميزان، لا تعود السياسة أداةً لإدارة الدولة، بل تصبح جزءًا من أزمتها.