
حين تستخدام أراضي الدول في الصراعات الإقليمية – قراءة في الحالة السودانية والإقليمية
د. ميمونة سعيد آدم
*يُعدّ استخدام أراضي دولةٍ ما أو تسهيلاتها اللوجستية في صراعٍ يدور داخل دولةٍ مجاورة من أكثر الظواهر تعقيدًا في العلاقات الدولية الحديثة، إذ لا يمكن تفسيره من خلال سبب واحد أو فاعل منفرد، بل هو نتيجة تداخل واسع بين الحسابات الاستراتيجية، والضغوط الدولية، وضعف البُنى السيادية، وتشابك المصالح بين الدول والفاعلين غير الرسميين. وفي الحالة السودانية، تتجلى هذه الظاهرة ضمن سياق الحرب التي شنتها قوات الدعم السريع، حيث أصبحت فيها الحدود الجغرافية جزءًا من شبكة صراع إقليمي ودولي مفتوح.
*من الناحية النظرية، تُفترض السيادة الكاملة للدول على أراضيها، بما يعني منع استخدامها في أي عمليات عسكرية ضد دولة أخرى.. غير أن الواقع العملي في البيئات الإقليمية المضطربة يختلف كثيرًا عن هذا التصور، حيث تظهر أشكال متعددة من التمكين غير المباشر، مثل التغاضي الأمني، أو السماح بمرور الإمدادات، أو استخدام المطارات والممرات اللوجستية بصورة غير معلنة، أو حتى ترتيبات غير رسمية بين أطراف متعددة داخل وخارج الدولة.. هذا النمط من السلوك لا يكون بالضرورة قرارًا أحاديًا واضحًا، بل قد يكون نتاج تداخل مؤسساتي ومصالح متعارضة داخل الدولة نفسها.
*في هذا السياق، يمكن قراءة السلوك الإثيوبي ضمن إطار تحليلي يقوم على فكرة الانخراط غير المباشر في بيئة الصراع، حيث يُحتمل أن تكون بعض الأراضي أو التسهيلات اللوجستية المرتبطة بإثيوبيا قد استُخدمت في سياق الصراع السوداني، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. هذا السلوك، في حال تحققه أو استمرار الشبهات حوله، قد يكون ناتجًا عن أحد مسارين رئيسيين: الأول يتمثل في حسابات استراتيجية ذاتية تهدف إلى تعزيز النفوذ الإقليمي أو التأثير على موازين القوى، والثاني يرتبط بضغوط وتفاعلات دولية وإقليمية أوسع قد تفرض على بعض الدول سلوكيات لا تتوافق بالكامل مع إرادتها السياسية المعلنة.
*وفي كلا المسارين، فإن هذا الوضع يضع إثيوبيا في موقع دبلوماسي شديد الحساسية، لأنها تصبح عرضة لقراءات متباينة من الأطراف الإقليمية، ويُضعف من قدرتها على تقديم نفي قاطع للاتهامات السودانية، خاصة في ظل طبيعة الصراع المركب الذي يعتمد على أدوات غير مباشرة وشبكات دعم متعددة المستويات.
*ثانيًا، لفهم هذا السلوك لا بد من العودة إلى بنية الدوافع الاستراتيجية التي تحكم سلوك الدول في البيئات الإقليمية المعقدة.. فالدول لا تتحرك في مثل هذه الملفات بشكل عشوائي، بل وفق حسابات دقيقة تتعلق بتوازن القوى الإقليمي، وأمن الدولة الداخلي، وتوسيع النفوذ، ومنع الخصوم من تحقيق مكاسب استراتيجية. في هذا الإطار، قد يُستخدم إضعاف دولة مجاورة أو الضغط عليها كأداة غير مباشرة لإعادة تشكيل البيئة الإقليمية بما يخدم المصالح الوطنية.
*كما أن العامل الاقتصادي والجغرافي يلعب دورًا محوريًا في هذه الحسابات، خصوصًا في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر، حيث تُعد الممرات البحرية والتجارية من أهم عناصر القوة الاستراتيجية. فالدول التي تسعى إلى تعزيز نفوذها في هذه المناطق غالبًا ما تنخرط في ترتيبات معقدة تشمل تحالفات معلنة وأخرى غير معلنة، إضافة إلى محاولات التأثير على الدول ذات الموقع الاستراتيجي أو الدول التي تمتلك منافذ بحرية حيوية.
*ثالثًا، لا يمكن إغفال دور الضغوط الدولية في تشكيل هذه التفاعلات. فالنظام الدولي المعاصر لا يعمل بمعزل عن النفوذ المتبادل بين القوى الكبرى والدول الإقليمية، حيث يتم توظيف أدوات اقتصادية وسياسية وأمنية للتأثير على سلوك الدول. وفي بعض الحالات، قد تجد الدول الإقليمية نفسها مضطرة إلى اتخاذ مواقف أو سياسات لا تعكس بالكامل إرادتها المستقلة، بل تعكس توازنات دقيقة بين الضغوط الخارجية والمصالح الداخلية.
*رابعًا، يبرز عامل الضعف الداخلي وعدم الاستقرار كأحد أهم العوامل المفسرة لهذا النوع من السلوك. فعندما تكون الدولة في حالة هشاشة مؤسساتية أو صراع داخلي أو انقسام سياسي، فإن قدرتها على ضبط حدودها والسيطرة على كامل أراضيها تتراجع، مما يجعلها بيئة مفتوحة لتداخل الفاعلين الإقليميين والدوليين. في هذه الحالة، تتحول بعض المناطق الحدودية أو المرافق الحيوية إلى نقاط اختراق أو نفوذ غير مباشر، حتى دون وجود قرار مركزي واضح.
*خامسًا، من منظور أوسع، تسعى بعض الدول في الإقليم إلى بناء عمق استراتيجي يضمن لها الحماية أو التأثير خارج حدودها المباشرة، سواء عبر النفوذ السياسي أو الأمني أو الاقتصادي..غير أن هذه الاستراتيجيات غالبًا ما تتقاطع مع مصالح دول أخرى، مما يؤدي إلى إنتاج بيئة تنافسية معقدة، تتداخل فيها المصالح الرسمية وغير الرسمية، وتصبح فيها الحدود بين الدعم السياسي والتدخل غير المباشر غير واضحة.
*سادسًا، فيما يتعلق بإدارة الردود في مثل هذه السياقات، فإن الدول عادة ما تتجنب التصعيد العسكري المباشر، نظرًا لما قد يترتب عليه من توسع الصراع وتحوله إلى مواجهة إقليمية مفتوحة.. بدلًا من ذلك، يتم استخدام أدوات متعددة مثل الضغط الدبلوماسي، وتدويل القضايا عبر المنظمات الدولية، وتفعيل المسارات القانونية، بالإضافة إلى إعادة تشكيل التحالفات بما يوازن النفوذ الإقليمي.
*وفي السياق الأوسع المرتبط بالقرن الإفريقي، فإن تداخل ملفات مثل الحدود، وسد النهضة، والتنافس على الممرات البحرية، يجعل من الصعب عزل أي صراع عن سياقه الإقليمي.. فكل هذه الملفات تعمل ضمن شبكة واحدة من التفاعلات، حيث يؤثر كل عنصر على الآخر بشكل مباشر أو غير مباشر.
*في الختام، يمكن القول إن استخدام أراضي الدول أو تسهيلاتِها في الصراعات الإقليمية لا يُعد حدثًا معزولًا أو قرارًا بسيطًا، بل هو نتاج منظومة معقدة من التفاعلات الدولية والإقليمية، تتداخل فيها المصالح الاستراتيجية مع الضغوط الخارجية والضعف الداخلي.. وفي الحالة السودانية، فإن التعامل مع هذا النوع من التحديات يتطلب رؤية استراتيجية شاملة، تقوم على الدبلوماسية الفعالة، والتحرك القانوني المنظم، وإدارة الصراع بعقلانية عالية، بعيدًا عن ردود الفعل الانفعالية التي قد تؤدي إلى توسيع دائرة الأزمة بدلًا من احتوائها.