آخر الأخبار

حرب البنية التحتية في السودان.. استراتيجية الإرباك وتفكيك الدولة

عمرو خان

*لم يعد استهداف مطار الخرطوم مجرد حادثة عسكرية عابرة في سياق الحرب السودانية، بل تحول إلى مؤشر استراتيجي خطير يكشف طبيعة المرحلة التي دخلها الصراع منذ اندلاع حرب أبريل 2023.. فحين تُضرب منشأة مدنية سيادية بهذا الحجم، فإن الرسالة تتجاوز حدود الاشتباك العسكري التقليدي، لتدخل في نطاق إعادة تشكيل موازين القوة عبر استهداف عصب الدولة ومراكزها الحيوية.

*يمثل مطار الخرطوم أحد أهم الرموز السيادية في السودان، ليس فقط بوصفه مرفقًا للنقل الجوي، بل كونه بوابة البلاد إلى العالم، وشريانًا اقتصاديًا وأمنيًا في آنٍ واحد.. واستهدافه يعكس نقلة نوعية من حرب ميدانية بين أطراف داخلية إلى صراع أكثر تعقيدًا تتداخل فيه حسابات إقليمية، وتُستخدم فيه أدوات ضغط غير تقليدية.

*هذا النوع من العمليات يمكن قراءته ضمن ما يُعرف بـ(حروب البنية التحتية)، حيث يصبح تعطيل المنشآت الحيوية هدفًا بحد ذاته لإضعاف الدولة، وإرباك قدرتها على إدارة شؤونها اليومية. فحين يُستهدف مطار، أو محطة مياه، أو منشأة صناعية، فإن التأثير لا يقتصر على الخسائر المباشرة، بل يمتد ليشمل تقويض ثقة المواطن في مؤسسات الدولة، وتعميق حالة الفوضى.

*منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، تعرضت المنشآت الحيوية في السودان لسلسلة من الهجمات المتكررة، يمكن تقديرها – وفق متابعات ميدانية وتقارير إعلامية – بما لا يقل عن 12 إلى 18 محاولة استهداف مباشرة أو غير مباشرة.. شملت هذه الهجمات مطارات (الخرطوم، مروي، نيالا)، ومحطات كهرباء ومياه، ومصانع استراتيجية مثل سكر كنانة، بالإضافة إلى مقار خدمية وبنية تحتية أساسية في العاصمة والأقاليم.

*هذه الأرقام، وإن كانت تقديرية في ظل غياب إحصاء رسمي موحد، إلا أنها تعكس نمطًا متصاعدًا من الاستهداف المنهجي، وليس مجرد حوادث متفرقة.. وهو ما يدفع إلى التساؤل: هل نحن أمام استراتيجية متعمدة لإطالة أمد الصراع عبر استنزاف الدولة السودانية من الداخل؟.

*الإجابة تبدو معقدة، لكنها تشير إلى أن الصراع لم يعد محصورًا في حدود السودان.. فمع تصاعد الهجمات على المنشآت الحيوية، بدأت ملامح تدخل الفاعلين الإقليميين تبرز بشكل أوضح، سواء عبر الدعم غير المباشر، أو عبر توظيف الصراع لخدمة أجندات أوسع تتعلق بإعادة تشكيل النفوذ في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر.

*وفي هذا السياق، يصبح استهداف مطار الخرطوم بمثابة رسالة مزدوجة: الأولى موجهة للداخل السوداني، بهدف إضعاف الدولة وإرباك مؤسساتها، والثانية موجهة للإقليم، مفادها أن السودان لم يعد ساحة صراع داخلي فقط، بل بات جزءًا من لعبة توازنات إقليمية أكبر.

*لكن الأخطر من ذلك، هو ما يمكن تسميته بـ(فتنة الشائعات).. فبالتوازي مع هذه الهجمات، تشهد الساحة السودانية موجة مكثفة من المعلومات المضللة، التي تُستخدم كأداة لتأجيج الصراع، وبث الفوضى، وإرباك الرأي العام.. وفي كثير من الأحيان، يصعب الفصل بين الفعل العسكري والحرب النفسية، حيث يتم توظيف الأخبار الكاذبة لتضخيم الأحداث، أو لتوجيه الاتهامات، أو حتى لخلق حالة من الذعر المجتمعي.

*هذا التداخل بين العنف المادي والعنف المعلوماتي يعكس تطورًا في طبيعة الصراع، حيث لم تعد المعركة تُخاض فقط بالسلاح، بل أيضًا بالكلمة والصورة والرواية.. وهو ما يضع المجتمع السوداني أمام تحدٍ مزدوج: مواجهة التهديدات الأمنية من جهة، والحفاظ على تماسكه الداخلي في وجه حرب الشائعات من جهة أخرى.

*في المحصلة، يمكن القول إن استهداف مطار الخرطوم يمثل نقطة تحول في مسار الحرب، ويكشف عن انتقال الصراع إلى مرحلة أكثر خطورة وتعقيدًا.. مرحلة تتداخل فيها الأبعاد المحلية والإقليمية، وتُستخدم فيها أدوات متعددة لإدارة الفوضى وإطالة أمدها.

*وإذا لم يتم احتواء هذا التصعيد، فإن السودان قد يواجه سيناريو مفتوحًا على مزيد من التآكل المؤسسي، حيث تصبح الدولة نفسها هدفًا، وليس فقط أحد أطراف الصراع.. وفي ظل هذا الواقع، تبرز الحاجة الملحة إلى تحرك سياسي ودبلوماسي جاد، يوازي الجهد العسكري، ويعمل على إعادة ضبط بوصلة الأزمة، قبل أن تتحول الفوضى إلى حالة دائمة يصعب الخروج منها.

*كاتب صحفي مصري