آخر الأخبار

مع عوض أحمدان وذكريات مع عثمان حسين

بُعْدٌ .. و .. مسَافَة                 

مصطفى ابوالعزائم

 

*بالأمس تلقيت رسالة صوتية على الماسنجر من الأخ الكريم والصديق العزيز الأستاذ عوض أحمدان ، وهو علم في ساحات الإعلام مجيد لما يعمل ، وغير هذا وذاك هو مؤرخ للحركة الفنية من خلال التوثيق لبعض رموزها، وكانت رسالة الأمس الصوتية تفيد بأنه هذه الأيام في القاهرة،  وإنه يجمع بعض ما كتبه حول الحركة الفنية رموزها ، وطلب إلي أن أمده بمقالين إن تيسر لي الأمر ، الأول مقال كتبته عن الفنان عثمان حسين في ذكرى رحيله،  والثاني كتبه هو عن هذا الرمز الفني الكبير صاحب المسيرة الفنية التي شكلت تطوراً كبيراً في مسيرة الغناء بالسودان.

*وعدت صديقي الإعلامي والباحث الأستاذ عوض أحمدان خيراً ، وأشدت بفكرته النيرة على إعتبار أن التوثيق لمسيرة الغناء السوداني هو توثيق لتاريخ إجتماعي مهم.

*بدأت بالبحث ، وبعثت له ببعض ما لدي حول فناننا الكبير عثمان حسين ، وقد كان الأستاذ عوض أحمدان قريباً منه.

*تذكرت يوم وفاة فناننا الكبير الذي كان في السابع عشر من يونيو عام 2008 م، وهو يوم لن أنسى تفاصيله ما حييت، إذ كُنّا على موعد للقاء رغم مرضه الذي أقعده عن الحركة إلا لأداء الواجبات الإجتماعية المهمة ، فقد إتصل عليّ هاتفياً ومعه الصديق العزيز الأستاذ عوض أحمدان ، وقد كان فناننا الكبير رحمة الله عليه يبكي بل قُل ينهج ، وهو يتحدّث إليّ بصعوبة .. تخنقه العبرات، ليعزّيني في وفاة سيّدي ووالدي الأستاذ محمود ابوالعزائم  – رحمه الله – الذي كان قد رحل قبله بأيام في ذلك العام الذي رحل فيه كثير من رموزنا الأدبية والفنية والإجتماعية ، ومن بينهم الأساتذ مصطفى سند ، ومحي الدين فارس ، وغيرهما من أعلام البلاد في مختلف المجالات.

*كان الأستاذ عثمان حسين يقول لي إنه كان من المفترض أن يكون حاضراً التشييع ومراسم الدفن بل حاضراً في سرادق العزاء ليتلقى العزاء مثله مثلنا، لأنه صديق حقيقي للوالد الراحل، لكن ظروف المرض هي التي أقعدته، وكُنْتُ أخفف عليه بقدر الإمكان، وأهوّن عليه وأعزّيه في ذات الوقت، لأنني أعرف ما يربط بينه وبين الوالد الراحل، وقد طلب إليّ أن أنتظره يوم غدٍ السبت ليأتي إليّ لتعزيتي والأسرة ، فقلت له أنني الذي سأذهب اليه لتعزيته في مكانه ومعي أخي و صديقي الأستاذ عوض أحمدان ، وقد إتفقنا على ذلك .. وكان توقيت المحادثة ظهر يوم جمعة.

*لم يأتِ موعد تحرّكي نحو موقع الأستاذ عوض أحمدان، إلا وقد تغيّر كل شيئ، فقد نعى الناعي فناننا الكبير عثمان حسين، وبدلاً من أن يأتي ليعزّي أو نذهب إليه لنعزيه، كنا نعزّي أسرته الكريمة ونتلقى العزاء فيه.

*رحم الله هذا الفنان الكبير الذي لا نحسب أنه سيتكرر في مسيرة الغناء السوداني، وفي تقديري الشخصي أن النقلة النوعية والفنية الكبرى في مسيرة الغناء السوداني، جاءت بمولد نجم عثمان حسين أو ميلاده الفني، مع زملائه الذين سبقوه، بعد مرحلة ما يسمى بغناء حقيبة الفن، وهي تسمية مستحدثة ، لأن تلك الفترة كانت هي بدايات الأغنية الجديدة ، بعد ما عرف بفترة غناء الطنابرة، والتي حدث التحول منها في العام 1923 م في أغلب الأحوال حسب ما هو متفق عليه ، عندما أضرب الطنابرة عن مصاحبة الفنان الكبير الحاج محمد أحمد سرور في زواج أحد أكبر وأشهر تجار مدينة أم درمان،  وهو بشير الشيخ ، في ذلك العام أو قبله بعامين في بعض الروايات، لينطلق صوت الحاج محمد أحمد سرور، بواحدة من روائع العبادي ( طابق البوخة )، لكن كثيرين يرون أن بداية الأغنية الأم درمانية الحديثة أو أغنية الوسط بدأت برائد منسي من رواد الغناء السوداني الحديث، هو إبن كبوشية الفنان محمد ود الفكي بابكر، الذي كان أول قدومه لأم درمان في العام 1908م، وكان قدومه الثاني عام 1915 م، وهو العام الذي تعرّف فيه أبناء المدينة الجامعة لكل الأعراق على شكلٍ ونمطٍ جديدين من أشكال وأنماط الغناء، جاء به محمد ود الفكي بابكر، وأحسب أن هناك تسجيل نادر لأغنية أو أثنتين بصوت محمد ود الفكي.

*هذه المقدّمة رغم طولها مهمة للدخول إلى عالم عثمان حسين وأثره وتأثيره في عالم الغناء السوداني ، والذي نرى أن الأستاذ عوض سيوفيه حقه ، ويقدم لنا وللأجيال القادمة صورة لتلك الفترة، ونقول له أن يبدأ ونحن في الإنتظار.