
في ذكرى الرحيل المر
بعد … و … مسافة
مصطفى أبو العزائم
*بالأمس القريب مرت على صاحبكم ذكرى حزينة، ورأيت أن أكتب عنها فذلك يخرجنا من جو الكآبة المزمنة الذي أصبح يلازم أكثرنا، فخرجوا مرغمين عن ديارهم ومجبرين، وهو ما يجعلنا نسترجع قول الشاعر عمرو بن الأهتَم المنقري السعدي ، من قصيدة أوردها في ثلاثة وعشرين بيتاً ، كان بيت القصيد فيها:
لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها
ولكن أخلاق الرجال تضيق
وهذا هو حالنا اليوم وحال من تمردوا على الدولة ، وأرادوا أن تزول خارطة سوداننا الحبيب الواحد ، من بين الدول.
*ما كنت أريد الكتابة عن شيئ خاص ، لكن من أريد الكتابة عنه رجل عام، بذل نفسه وجهده وروحه من أجل هذا الوطن مثل كثيرين عملوا على نماء الوطن ونهضته ، وما كانوا يعلمون بأن هناك من كان يخطط ويعمل على زوال هذا الوطن.
*بالأمس القريب مرت ذكرى اليوم الثالث عشر من مايو عام 2008م ، وقد كنا فيه على موعد مع الحزن الأسري الخاص ، والإعلامي بصورة عامة بوفاة السيد الوالد الأستاذ (محمود أبو العزائم) رحمه الله رحمة واسعة وغفر له وعفا عنه وأدخله فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا .. وكانت بلادنا في تلك الأيام تعيش صدمة محاولة الغزو الفاشلة لأم درمان من قبل قوات حركة العدل والمساواة تحت إمرة قائدها الراحل “خليل إبراهيم” ، وكانت الأجواء متوترة ، وقد حدثت الوفاة قبيل آذان المغرب بقليل داخل مستشفى ساهرون بالخرطوم ، حتى أنني بعد أن قبلت جبينه الطاهر توجهت نحو جماعة في خارج أسوار المستشفى لأداء فريضة المغرب جماعة ، وكنت أعجب من تماسكي في تلك اللحظات العصيبة ، وظللت أجتر تفاصيل آخر حديث لي معه قبيل إنتقاله بلحظات .. إذ ناداني وطلب إليَّ أن أقترب منه – رحمه الله – وقال لي إنه يريد العودة إلى المنزل ، فقلت له : إن تكرار هذه الأزمة القلبية يتطلب مقابلة الطبيب ثم نتحرك بعد أن نطمئن على صحتك.
*وكانت النوبة القلبية الثانية قد داهمته بعد أن نقل إليه أحد زملائنا وأحد أبنائه المقربين إليه الراحل المقيم الأستاذ عصام الدين الصائغ ، نبأ وفاة صديقه المقرَّب الأستاذ “محجوب عمر باشري” فحزن حزناً شديداً ، وساءت حالته الصحية مما إستدعى نقله إلى المستشفى التي غادرها منذ أيام للإطمئنان على صحته ، فكان ذلك المشهد الذي طلب إليَّ فيه أن أعيده إلى البيت . وعندما رددت عليه بما أسلفت ناداني وطلب إليَّ أن أقرب أذني إلى فمه ، ففعلت .. فكان أن همس إليَّ بسؤال وقال لي : (أنت عارف عمري كم ؟).. إبتسمت وقلت نعم.. إبتسم هو أيضاً وقال لي بشجاعة متناهية : (طيب أحسن توديني البيت لأني خلاص .. وأنا ما عايز أموت هنا .. أنا عايز أموت في البيت).. وكانت تلك أول مرة أعصي له فيها أمراً .. تماطلت في تنفيذ طلبه وتشاغلت بأمور أخرى ، حتى أنني قلت له إنني بصدد الكتابة غداً عن الراحل الأستاذ محجوب عمر باشري.. إبتسم ، ثم أغمض عينيه وأمسك اثنان من أشقائي بيده ، لقناه الشهادة .. وغادر دنيانا ، ونحسب أنه قد أدى رسالته كاملة غير منقوصة ، ظل وطنياً مخلصاً حتى آخر لحظة في حياته ، مثلما ظل أباً حانياً عطوفاً ليس لنا نحن أبناءه وبناته ، بل لكل الذين عرفوه أو تتلمذوا على يديه.
*المساء أحاله الحزن إلى سواد وإكتست ملامح الحياة بالتجهم والعبوس، وتدثر الكون بثياب الأسى ، وكان كل همي هو كيف أنقل الخبر للسيدة الوالدة الأستاذة خديجة محمود عبدالرحمن عثمان، لكنني فعلت بضعف لم أعهده في نفسي، وإنتشر الخبر لنجد أننا نستقبل الآلاف في منزل الأسرة بالثورة ، رغم الظروف الأمنية القاسية ورغم حظر التجوال غير المعلن ، وكنت مثل الذي يعيش داخل مشهد لا يشعر بأنه جزء منه ، فالعقل يؤمن ويصدق والنفس تأبى التصديق.
*قد لا أكون مبالغاً أن قلت إن صورة تشييعه كانت من الصور النادرة .. آلاف مؤلفة من الناس ، من مختلف الأعراق والأجناس والأطياف ، تقدمهم إبنه عمر حسن أحمد البشير الذي كان دائماً ما يخاطبه ب : (يا ابني يا عمر) وإبنه المقرَّب الأخ الكريم (إبراهيم غندور)والدكتور نافع وكل الطاقم الحاكم الذي خرج من إجتماع لمجلس الأمن القومي ليلحق بالتشييع ، كما أخبرني أخي محجوب فضل بدري عبر الهاتف ، وهو يطلب إليَّ إنتظار الرئيس البشير قبل أن نشرع في مراسم الدفن.
*ولا أبالغ ، أيضاً ، عندما أقول إنها كانت أطول ليلة مرت على في حياتي ، وكنت أعجب من تماسكي وأنا أستقبل المعزيين حتى الساعات الأولى من فجر الأربعاء الرابع عشر من مايو الحزين، وعند إنقطاع سيل المعزيين ، توجهت نحو منزلي الذي لا يبعد كثيراً عن منزل الأسرة ، وكان المنزل خالياً إلا من الوحشة والحزن ، جلست على كرسي صغير في وسط فناء الدار ، أحدق في اللا شيء ، وأتفكر في أمر هذه الدنيا التي لا تؤتمن ، وأسترجع بعض كلمات السيد الوالد الكريم ، رحمه الله ، عندما جئته فرحاً مستبشراً لحظة إعلان نتيجة إمتحانات الدخول للمرحلة الثانوية ، بمجموع يعتبر كبيراً بمقاييس ذلك الزمان ، وقلت له إنني أريد أن أقيم حفلاً أدعو له الأصدقاء والمقربين ، فسألني لماذا ؟ فقلت لأنني نجحت .. لم يتحرك من مكانه ولقنني درساً لن أنساه عندما سألني إن كان لديَّ عمل آخر غير الدراسة ، فأجبت بالنفي فقال لي : إن النجاح هو واجبك، طالما أنه ليس هناك ما يشغلك عن الدرس والتحصيل.
*رحمه الله رحمة واسعة وعفا عنه وغفر له واسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً