
بارا تنزف.. جريمة جديدة تكشف الوجه الحقيقي للميليشيا
أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد
دكتور مزمل سليمان حمد
*لم تعد الحرب في السودان مجرد أزمة أمنية عابرة أو اضطراب سياسي محدود، بل أصبحت معركة وجودية فرضتها ميليشيا متمردة على الدولة السودانية ومؤسساتها الشرعية. منذ اندلاع التمرد، تخوض القوات المسلحة السودانية، مسنودة بإرادة شعبية واسعة، مواجهة مصيرية دفاعاً عن سيادة البلاد ووحدتها وأمن مواطنيها في مواجهة مشروع استهدف الدولة ومؤسساتها ومقدراتها الوطنية. وفي خضم هذه المواجهة، ظل المدنيون يدفعون الثمن الأكبر نتيجة الانتهاكات والاعتداءات التي طالت القرى والمدن ومرافق الخدمات والبنى التحتية في مختلف أنحاء البلاد.
*وتأتي الجريمة التي ارتكبتها ميليشيا الدعم السريع المتمردة في محلية بارا الكبرى بولاية شمال كردفان لتضيف صفحة جديدة من صفحات الألم والمعاناة إلى سجل الحرب السودانية. *فالأحداث الدامية التي شهدتها قرى منطقة( المُرة) غرب مدينة بارا، وما سبقها من انتهاكات في (حلة حامد) و(شق النوم) و(أم كريدم) ومناطق أخرى، لا يمكن النظر إليها باعتبارها حوادث منفصلة أو أخطاء ميدانية عابرة، وإنما تمثل حلقة جديدة ضمن سلسلة طويلة من الانتهاكات التي استهدفت المدنيين بصورة مباشرة وألحقت أضراراً جسيمة بالمجتمعات المحلية.
*لقد أصبحت قرى شمال كردفان شاهدة على واحدة من أقسى صور الاستهداف التي عرفها السودان خلال هذه الحرب. فبدلاً من أن تنحصر العمليات العسكرية في ساحات المواجهة بين القوات المتحاربة، امتدت آثارها إلى القرى الآمنة والأسواق والمنازل والمزارع ومصادر المياه، لتتحول حياة المواطنين إلى معاناة يومية يختلط فيها الخوف بالجوع والنزوح وفقدان الأمن. وما يزيد من فداحة هذه الجرائم أنها تستهدف في كثير من الأحيان مواطنين عزل لا يملكون سوى التمسك بأرضهم وممتلكاتهم وحقهم الطبيعي في الحياة.
*وتحمل مأساة بارا دلالات تتجاوز حدود الجريمة نفسها، إذ تكشف عن طبيعة التهديد الذي تمثله الميليشيا المتمردة على النسيج الاجتماعي السوداني.. فهذه المناطق عرفت تاريخياً بالتعايش السلمي والتداخل الاجتماعي والقبلي، وكانت تشكل نموذجاً للاستقرار الأهلي في إقليم كردفان.. غير أن الاعتداءات المتكررة وما يصاحبها من قتل ونهب وترويع ارتكبتها المليشيا المتمردة الارهابية (الدعم السريع) تهدد بإحداث جروح عميقة في العلاقات الاجتماعية التي تشكل أحد أهم مقومات الاستقرار الوطني.
*إن أكثر ما يثير القلق في هذه الجرائم ليس عدد الضحايا فحسب، وإنما الرسالة التي تحملها. فاستهداف المدنيين وإرهاب المجتمعات المحلية يهدف في جوهره إلى إخضاع السكان عبر الخوف وكسر إرادتهم وفرض واقع جديد بقوة السلاح. وهذه الممارسات تتعارض بصورة مباشرة مع القوانين والأعراف الدولية التي تحظر استهداف المدنيين وتحمل المليشيا المتمردة الارهابية مسؤولية حماية السكان وعدم تعريضهم للأذى.
*وفي الوقت الذي يشيع فيه الحزن بين الأسر التي فقدت أبناءها وأحباءها، تبرز معاناة أخرى لا تقل قسوة تتمثل في النزوح القسري وفقدان مصادر الرزق وتدهور الخدمات الأساسية. فالمزارع الذي يُجبر على مغادرة أرضه يفقد مصدر دخله، والطالب الذي تغلق مدرسته يفقد حقه في التعليم، والمريض الذي تنقطع عنه الخدمات الصحية يجد نفسه في مواجهة مصير مجهول. وهكذا تتحول الجريمة من حادثة قتل محدودة إلى كارثة إنسانية تمتد آثارها إلى سنوات طويلة.
*كما تكشف أحداث (بارا) عن حجم التحديات التي تواجهها الدولة السودانية في ظل حرب متعددة الجبهات ضد القوات المسلحة والشعب السوداني .. فحماية المواطنين وتأمين القرى والطرق ومراكز الخدمات في رقعة جغرافية واسعة تتطلب إمكانات كبيرة وجهوداً متواصلة.. ورغم هذه التحديات، فإن إصرار القوات المسلحة والقوات المساندة لها على استعادة الأمن وملاحقة المليشيا المتمردة الارهابية المتمردة يمثل بالنسبة لكثير من المواطنين أملاً في إنهاء حالة الفوضى وإعادة الاستقرار إلى المناطق المتضررة.
*ومن اللافت أن هذه الجرائم المتكررة لم تنجح في كسر إرادة المجتمعات المحلية أو إضعاف روحها الوطنية. فقد أظهرت الأحداث صوراً مشرقة من التضامن والتكافل بين المواطنين الذين سارعوا إلى إغاثة المتضررين ومساندة الأسر المنكوبة واحتضان النازحين.. وهذه المواقف تعكس المعدن الحقيقي للشعب السوداني الذي ظل عبر تاريخه الطويل قادراً على مواجهة المحن بالتكاتف والصبر والإيمان بوحدة المصير.
*وفي المقابل، يظل موقف المجتمع الدولي محل تساؤل كبير. فبينما تتوالى التقارير عن الانتهاكات التي يتعرض لها المدنيون في السودان، ما تزال ردود الفعل الدولية أقل من مستوى الكارثة الإنسانية المتفاقمة. إن الشعب السوداني لا يحتاج إلى بيانات تعاطف موسمية بقدر حاجته إلى مواقف عملية تسهم في حماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات الجسيمة التي ترتكب بحق الأبرياء.
*إن ما جرى في (بارا) يجب ألا يُنسى مع مرور الأيام أو يضيع وسط زحام الأخبار المتسارعة. فهذه الدماء ليست أرقاماً في تقارير إخبارية، وإنما أرواح بشرية لها أسر وأحلام ومستقبل. ومن حق الضحايا وذويهم أن يعرفوا أن المجتمع لن يتخلى عن قضيتهم، وأن العدالة ستظل مطلباً قائماً حتى تتم محاسبة كل من تورط في هذه الجرائم.
*ستظل (بارا)، كما غيرها من المدن والقرى السودانية التي طالتها الحرب، شاهدة على مرحلة مؤلمة من تاريخ البلاد. لكنها ستبقى أيضاً شاهدة على صمود شعب رفض الاستسلام، وعلى وطن يسعى لاستعادة أمنه واستقراره رغم حجم التحديات. إن الطريق إلى السلام الحقيقي لا يمر عبر فوهات البنادق ولا عبر إرهاب المدنيين، وإنما عبر احترام القانون وحماية الإنسان وصون كرامته. وعندما تضع الحرب أوزارها، سيبقى السؤال الأخلاقي والتاريخي مطروحاً أمام الجميع: كيف يمكن لوطن جريح أن يتعافى دون عدالة، وكيف يمكن لضحايا هذه الجرائم أن يطمئنوا إلى المستقبل ما لم تتم محاسبة المليشيا المتمردة الارهابية وإنصاف المتضررين منها؟.
*رحم الله شهداء بارا وشهداء السودان جميعاً، ونسأل الله أن يمنّ على الجرحى بالشفاء العاجل، وأن يحفظ السودان وأهله من كل سوء، وأن يعجل بعودة الأمن والاستقرار إلى ربوع الوطن.