
التنمية المجتمعية كطوق نجاة للسودان بعد الحرب
شيء للوطن
م.صلاح غريبة
*تُعلمنا تجارب التاريخ الإنساني أن الحروب، رُغم دمارها المادي والنفسي الهائل، تُمثل في جوهرها نقطة تحول قاسية تفصل بين ماضٍ مضى ومستقبل يجب أن يُبنى على أسس مغايرة.. والسودان اليوم، وهو يستشرف بوادر صياغة عهد جديد والحديث عن ملامح إعادة الإعمار، يقف أمام معضلة حقيقية: هل ستكون عملية البناء مجرد ترميم للواجهات الإسمنتية والمنشآت الحيوية في العاصمة والمدن الكبرى؟ أم ستكون نهضة هيكلية شاملة تنبع من القاع وتستهدف الإنسان السوداني في قريته وحلّته ومعسكره؟.
*إن الإجابة الحاسمة على هذا السؤال تكمن في تبني مفهوم التنمية الاقتصادية المجتمعية
(Community Economic Development)
كإستراتيجية ومظلة رئيسية لكل خطط ما بعد الحرب، بدلاً من الاعتماد الحصري على النماذج التنموية الفوقية التقليدية التي أثبتت عقمها في تجارب سابقة.
*التنمية الاقتصادية المجتمعية ليست مجرد مصطلح رنان، بل هي فلسفة اقتصادية تقوم على مبدأ “أهل مكة أدرى بشعابها.. إنها عملية تُشرك سكان المجتمعات المحلية بشكل مباشر في تشخيص مشكلاتهم الاقتصادية، وتصميم الحلول، وإدارة الموارد المتاحة لتوليد فرص عمل مستدامة وتحسين جودة الحياة.
*في سياق السودان، تعني هذه التنمية الانتقال من عقلية الرعاية والتمويل المركزي التي تدار من المكاتب المكيفة، إلى عقلية التمكين المحلي؛ حيث تصبح المحليات والقرى والبلدات هي الدينامو المحرك للاقتصاد الوطني عبر استغلال ميزاتها التفضيلية، سواء كانت زراعية، حيوانية، أو حرفية.
*أفرزت الحرب الحالية أكبر أزمة نزوح داخلي ولجوء خارجي في التاريخ الحديث للسودان. لقد تمزق النسيج الاجتماعي، وفقد الملايين مدخراتهم وأصولهم الإنتاجية. وهنا تبرز الأهمية القصوى للتنمية المجتمعية كركيزة أساسية لتسهيل العودة الطوعية بتحويل المعسكرات من بؤر استهلاك إلى مراكز إنتاج: إن استدامة عودة النازحين واللاجئين إلى قراهم ومدنهم الأصلية مشروطة بوجود سبل كسب عيش كريمة ومستقرة.. بدون تنمية اقتصادية محلية توفر أسواقاً ومشاريع صغيرة، تتحول العودة إلى هجرة عكسية سريعة نحو المدن، أو ركود اقتصادي يعمق الأزمة.
*إعادة بناء الثقة والتماسك الاجتماعي باقامة المشاريع التنموية القائمة على التشارك المجتمعي (التعاونيات الزراعية، والورش الحرفية الجماعية) تجبر أفراد المجتمع المتأثر بالصراع على العمل سوياً. هذا العمل المشترك يرمم العلاقات البينية ويخلق مصلحة اقتصادية متبادلة تُعلي من قيم السلم الاجتماعي ونبذ خطاب الكراهية، بالإضافة إلى ضرورة استيعاب الطاقات الشبابية والنسوية، هم الفئات الأكثر تضرراً من الحرب، وهم في ذات الوقت القوة الضاربة لإعادة الإعمار. التنمية المجتمعية تركز على التمويل الأصغر، وبناء القدرات، والابتكار المحلي، مما يتيح لهؤلاء قيادة قاطرة الإنتاج بدلاً من انتظار التوظيف الحكومي الشحيح.
*لكي لا تظل التنمية الاقتصادية المجتمعية مجرد تنظير، يجب تحويلها إلى سياسات قابلة للتطبيق الفوري مع أولى خطوات الاستقرار الصارم بإحياء وتطوير النظام التعاوني، حيث امتلك السودان إرثاً تاريخياً ضخماً في الحركة التعاونية (الزراعية والاستهلاكية).. إعادة إعمار الريف والمناطق المتأثرة بالحرب تتطلب ضخ الروح في هذه التعاونيات، وتحديثها تكنولوجياً وإدارياً، لتمكين صغار المزارعين والرعاة من تجميع مواردهم، وتجاوز عقبات التمويل الفردي، والوصول إلى الأسواق بشكل عادل دون الوقوع في فخ الوسطاء.
*لا يمكن إنجاز تنمية مجتمعية حقيقية بينما تُمسك الخزانة المركزية بكل الخيوط.. يجب منح المحليات سلطات واسعة في إدارة مواردها الذاتية، وتخصيص نسب معتبرة من عائدات الثروات المحلية (تعدين، زراعة، صمغ عربي) لإعادة استثمارها في البنية التحتية المحلية (الكهرباء الريفية، الطرق الرابطة، الحصاد المائي)، وعلى شركاء السودان الدوليين ووكالات الأمم المتحدة تغيير استراتيجيتهم؛ حيث يجب الانتقال التدريجي من الإغاثة الإنسانية المباشرة (توزيع الغذاء والكساء) إلى دعم الأصول المجتمعية.. على سبيل المثال: بدلاً من استيراد الأغذية، يتم شراء المحاصيل من المزارعين المحليين لدعم الوجبات المدرسية، وتشغيل الورش المحلية لتصنيع مستلزمات الإيواء والصحة.
*إن خطورة التركيز الفوقي على إعمار الموانئ، والمطارات، والمباني السيادية مع إهمال اقتصاديات المجتمعات المحلية، سيقود حتماً إلى تنمية مشوهة تعيد إنتاج ذات المظالم التاريخية وأسباب النزاع التي أشعلت الحرب في المقام الأول.
*إن معركة بناء السلام في السودان ليست معركة سياسية أو عسكرية فحسب، بل هي معركة اقتصادية بامتياز، تُخاض تفاصيلها في حقول الجزيرة، ومزارع دارفور وكردفان، ومشاريع شرق السودان والشمالية.
*إن التنمية الاقتصادية المجتمعية ليست خياراً ترفياً أو ثانوياً، بل هي الطوق الوحيد الذي يضمن تحويل ملايين النازحين واللاجئين من متلقين للمساعدات إلى صناع حقيقيين للثروة. إنها الضمانة الأكيدة لكي يكون إعمار السودان قادماً من عرق بنيه، وراصخاً في ترابه، وموجهاً لخدمة إنسانه أولاً وأخيراً