
أزمة التذاكر… بين مطرقة الدولار وسندان السيادة النقدية
شيء للوطن
م.صلاح غريبة
*أثارت التطورات الأخيرة المتعلقة بمبيعات تذاكر بعض شركات الطيران الأجنبية العاملة في السودان، وعلى رأسها الخطوط الإثيوبية، نقاشاً واسعاً وعميقاً في أوساط قطاع الطيران والاقتصاد المحلي. وقد تباينت الآراء حيال هذا المشهد المعقد؛ فبينما يرى البعض أن للشركات الأجنبية الحق المطلق في حماية إيراداتها المالية في ظل الظروف الراهنة، يقف آخرون – ونحن في طليعتهم – موقفاً حازماً بأن فرض مبيعات التذاكر بالعملة الصعبة (الدولار) داخل الأراضي السودانية يُعد مساساً مباشراً بالسيادة النقدية للدولة، وعبئاً إضافياً يثقل كاهل المواطن.
*إن هذه القضية، في جوهرها، تتجاوز مجرد الخلاف التجاري العابر بين ناقل جوي وسلطات الطيران لتلامس تداعيات اقتصادية استثنائية فرضتها ظروف الحرب الراهنة على الجهاز المصرفي والاقتصاد الوطني ككل.
*للوقوف على أبعاد الأزمة بإنصاف، يجب استعراض الواقع بموضوعية، فهناك تحديات فعلية تواجه الناقلات الأجنبية، وتشمل صعوبة التحويلات: تواجه شركات الطيران عقبات حقيقية في تحويل فوائض مبيعاتها بالعملات الحرة إلى الخارج، وشح النقد الأجنبي: يعاني البنك المركزي حالياً من ضغوط تمنعه من الوفاء الفوري بطلبات التحويل المتراكمة، ومخاطر تآكل القيمة: تتخوف الشركات من الاحتفاظ بأرصدة ضخمة بالجنيه السوداني تحسباً لانخفاض قيمته بمرور الوقت، وهو تخوف تجاري بحت، ولكن تبرز أهمية الناقل الأجنبي، فتمثل الخطوط الإثيوبية حالياً أكبر ناقل جوي يربط السودان بشبكة واسعة من الوجهات الدولية، مما يجعل استمرارية تشغيلها ضرورة لوجستية.
*في مقابل التخوف التجاري المشروع لشركات الطيران من تقلبات سعر الصرف، تقف الدولة السودانية أمام مخاوف سيادية واقتصادية بالغة الخطورة.. إن إلزام المواطن بشراء تذاكر السفر بالدولار النقدي داخل حدود الوطن يدفعه قسراً نحو السوق الموازية (السوداء) للحصول على العملة الصعبة. هذا التوجه يؤدي حتماً إلى تنشيط تجارة العملة خارج القنوات الرسمية، ويزيد الضغط على سعر الصرف، مما ينسف جهود السياسة النقدية للدولة.
*علاوة على ذلك، يمثل الجنيه السوداني رمزاً للسيادة الوطنية.. وقد كان موقف الخطوط الجوية السودانية (سودانير) واضحاً وحاسماً في هذا الصدد؛ فأي شركة طيران أجنبية تعمل داخل البلاد ملزمة بالخضوع التام للقوانين الوطنية، وعلى رأسها تشريعات الطيران المدني وقوانين النقد الأجنبي وحماية المستهلك.. إن الاتفاقيات الدولية التي تكفل للناقلات الأجنبية حق تحويل إيراداتها، لا تعفيها بأي حال من الالتزام باحترام العملة الوطنية في عمليات البيع والتحصيل المحلية، ولا تمنحها الحق في فرض ترتيبات مالية تنتقص من هيبة اقتصادنا.
*بدلاً من ترك الأزمة تتفاقم نحو تقليص الرحلات أو المساس بالسيادة النقدية، يتوجب على سلطة الطيران المدني والجهات المختصة تبني استراتيجية الشراكة، والعمل على تنفيذ حلول عملية تشمل ضرورة اعتماد الدولار الحسابي: تثبيت قيمة فوائض المبيعات بالدولار الحسابي عند الاستحقاق، لحماية الشركات من تآكل قيمة أموالها، على أن يتم السداد الفعلي لاحقاً دون إجبار المواطن على الدفع بالدولار النقدي، وتطبيق نظام المقاصة المحلية: وهو الحل الأكثر واقعية، حيث يُسمح للشركات باستخدام جزء من مستحقاتها المتراكمة بالعملة المحلية لسداد رسوم العبور، الخدمات الملاحية، والالتزامات الحكومية الأخرى. وقد أثبت هذا النظام نجاحه في معالجات تمت عام 2021، حيث قلل من المبالغ المطلوب تحويلها بالنقد الأجنبي.
*بالاضافة إلى جدولة التحويلات: وضع برنامج زمني واضح لتحويل نسب محددة من المستحقات دورياً، مما يبدد حالة عدم اليقين لدى الشركات، وتشجيع الحوافز التشغيلية بتقديم تخفيضات في بعض رسوم التشغيل كحافز لاستمرار الشركات في تقديم خدماتها والمحافظة على وتيرة رحلاتها، وضرورة تشكيل لجنة تنسيقية مشتركة، لتكون آلية دائمة تضم بنك السودان، وزارة المالية، سلطة الطيران المدني، وممثلي الشركات الأجنبية لإدارة ملف التحويلات بشكل استباقي ومستمر.
*خلاصة القول: إن الحل الأمثل لا يتمثل في تحميل شركات الطيران خسائر غير مبررة، ولا في إرهاق المواطن السوداني ودفعه نحو السوق السوداء، بل يكمن في ابتكار تسوية متوازنة تعترف بالظرف الاستثنائي وتحمي حقوق جميع الأطراف.
*الشركات لا تغادر الأسواق بسبب الأزمات، بل بسبب غياب الحلول وغياب الرؤية المشتركة. والمحافظة على السيادة النقدية لعملتنا الوطنية هي خط أحمر لا يمكن تجاوزه، بالتوازي مع المحافظة على انسياب حركة النقل الجوي التي تربط بلادنا بالعالم. الحكمة الآن تقتضي تطبيق تدابير مرنة وقانونية تضمن استمرارية التشغيل تحت مظلة احترام سيادة الدولة وقوانينها.