آخر الأخبار

امتحانات نيالا… حق التعليم ومشروع بناء الدولة الموازية

موطئ قلم

د. أسامة محمد عبدالرحيم

 

 

*ليست كل الامتحانات أحداثاً تعليمية خالصة، كما أن بعض الوقائع التي تبدو في ظاهرها إجراءات خدمية قد تحمل في باطنها رسائل سياسية وسيادية تتجاوز بكثير حدود القطاع الذي تنتمي إليه.. ومن هذا المنظور يمكن قراءة الإعلان عن انعقاد امتحانات الشهادة الثانوية السودانية بمدينة نيالا تحت إشراف السلطة التي أعلنتها مجموعة (تأسيس) في المناطق الخاضعة لسيطرة مليشيات الدعم السريع، باعتباره حدثاً تتداخل فيه الاعتبارات التعليمية مع حسابات السياسة والتمثيل والصراع على وظائف الدولة.

*وتكتسب هذه الخطوة حساسيتها من المكان والزمان والسياق الذي جاءت فيه.. فالشهادة الثانوية السودانية ليست مجرد مرحلة دراسية عادية، وإنما تمثل إحدى أهم المحطات الوطنية في حياة الأفراد والأسر والدولة.. فهي البوابة المؤهلة للتعليم الجامعي، وأداة قياس معيارية موحدة ظلت لعقود طويلة تعكس وحدة النظام التعليمي السوداني وتماسك مؤسساته على امتداد الجغرافيا الوطنية.. ولذلك لم يكن امتحان الشهادة السودانية في يوم من الأيام مجرد نشاط لوزارة التربية والتعليم، بل ظل رمزاً من رموز الدولة ووحدة مؤسساتها وسيادتها على كامل أراضيها.

*وخلال سنوات الحرب الثلاث الماضية، تعرض هذا الرمز الوطني لهزات عميقة.. ففي الوقت الذي واصلت فيه الدولة السودانية تنظيم الامتحانات في المناطق الخاضعة لسيطرتها رغم الظروف الأمنية والاقتصادية المعقدة، تعذر قيام الامتحانات في معظم المناطق التي خضعت لسيطرة مليشيات الدعم السريع.. ولم يكن ذلك نتيجة ظرف أمني عابر فحسب، بل ارتبط بسلسلة واسعة من الانتهاكات التي استهدفت العملية التعليمية نفسها، شملت إغلاق المدارس وتحويل بعضها إلى مواقع عسكرية أو مراكز إيواء، وتعطيل المؤسسات التعليمية، وحرمان مئات الآلاف من الطلاب من حقهم الطبيعي في التعليم.

*كما شهدت تلك الفترة حوادث موثقة ومؤلمة تعرض خلالها معلمون وطلاب لانتهاكات أثناء محاولاتهم الوصول إلى المناطق التي كانت تقام فيها الامتحانات أو مغادرة مناطق سيطرة المليشيا من أجل مواصلة تعليمهم، في واحدة من أكثر الصور قسوة لما أصاب المجتمع السوداني خلال هذه الحرب.. فحين يصبح الوصول إلى الامتحان مغامرة قد تفضي إلى الاعتقال أو الإهانة أو حتى فقدان الحياة، فإن القضية تتجاوز التعليم لتلامس جوهر الحق الإنساني في المستقبل والحياة الكريمة.

*ومن هنا تبرز المفارقة الكبرى. فالقوة التي حالت سيطرتها الميدانية دون انتظام العملية التعليمية في مناطق واسعة طوال سنوات الحرب، تعود اليوم لتعلن تنظيم امتحانات الشهادة الثانوية تحت مظلة سلطة سياسية موازية. ولذلك فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بقيام الامتحان من عدمه، وإنما بالرسائل التي يراد إيصالها من خلاله.

*فالامتحان في هذه الحالة يبدو أقرب إلى رسالة سياسية منه إلى خدمة تعليمية.. إذ إن تنظيم امتحان قومي موحد يمثل تقليدياً إحدى وظائف الدولة السيادية.. وعندما تسعى سلطة موازية إلى أداء هذه الوظيفة، فإنها لا تقدم نفسها بوصفها جهة خدمية فحسب، وإنما باعتبارها كياناً يطمح إلى ممارسة اختصاصات الدولة وإظهار قدرته على إدارة المجتمع ومؤسساته.. ولهذا فإن الحدث ينبغي أن يُقرأ ضمن سياق أوسع يتعلق بالصراع على الاعتراف السياسي أكثر مما يتعلق بالعملية التعليمية وحدها.

*ولا يمكن النظر إلى خطوة تنظيم الامتحانات بمعزل عن سلسلة من الإجراءات والقرارات التي اتخذتها السلطة الموازية خلال الفترة الماضية في إطار سعيها لإظهار نفسها بوصفها كياناً سياسياً ومؤسسياً قائماً بذاته. فقد سبق ذلك الإعلان عن تشكيل حكومة موازية، وتعيين محافظ لبنك السودان من جانبها، والإعلان عن ترتيبات خاصة بإصدار عملة تحمل توقيع ذلك المحافظ، وإنشاء مجلس للأمن والدفاع، وإصدار قرارات تتعلق بالتعيينات والترقيات داخل الهياكل العسكرية والشرطية التابعة لها، إلى جانب خطوات أخرى اتجهت جميعها نحو أداء وظائف ترتبط تقليدياً بالدولة ومؤسساتها السيادية.

*وتكشف هذه الإجراءات مجتمعة عن نمط متكامل يتجاوز حدود الإدارة المحلية أو تسيير شؤون المناطق الخاضعة للسيطرة العسكرية، ليتجه نحو بناء ما يشبه منظومة حكم موازية تسعى إلى إنتاج رموز الدولة ووظائفها وأدواتها السيادية.. وتكتسب أي سلطة سياسية صفتها كسلطة حكم من قدرتها على ممارسة الوظائف السيادية للدولة، مثل إدارة التعليم والاقتصاد، وتنظيم الأجهزة الأمنية، وإصدار العملة، وتقديم الخدمات العامة، بقدر ما تستند إلى ما تملكه من أرض أو أدوات قوة.. ولذلك فإن امتحانات الشهادة الثانوية تبدو في هذا السياق حلقة جديدة ضمن سلسلة متصلة من الإجراءات الرامية إلى ترسيخ صورة السلطة القائمة باعتبارها سلطة حكم كاملة الأركان وليست مجرد قوة عسكرية مسيطرة على رقعة جغرافية محددة.

*ومن هذه الزاوية، فإن دلالة الامتحان تتجاوز نجاح الطلاب أوانتظام العملية التعليمية، لتصبح جزءاً من معركة أوسع تتعلق بالمشروعية السياسية والقبول الداخلي والاعتراف الخارجي.. فكل مؤسسة يتم إنشاؤها، وكل خدمة يتم تقديمها، وكل وظيفة سيادية يتم ممارستها، تحمل في جوهرها رسالة مفادها أن هناك سلطة تسعى إلى الانتقال من مرحلة السيطرة العسكرية إلى مرحلة بناء الأمر الواقع السياسي والمؤسسي.. ولذلك فإن الحدث لا يمكن عزله عن المسار العام الذي تتبعه السلطة الموازية في سعيها لإثبات الوجود وتعزيز القبول الداخلي وكسب الانتباه الدولي.

*وحين تتزامن هذه الخطوات مع تحركات سياسية ودبلوماسية خارجية ومشاركة في منابر تفاوضية ترعاها أطراف إقليمية ودولية، فإنها تبدو أقرب إلى عملية متكاملة لبناء عناصر القبول السياسي بالتوازي مع بناء مؤسسات الأمر الواقع على الأرض، بما يجعل الامتحان جزءاً من مشهد سياسي أكبر بكثير من حدود القطاع التعليمي نفسه.

*ويكتسب التوقيت بدوره أهمية خاصة.. فالخطوة تأتي بالتزامن مع مشاركة تحالف (تأسيس) في اجتماعات أديس أبابا المرتبطة بمبادرة الخماسية.. والخماسية، بحكم تكوينها ودورها، تمثل أحد الأطر التي يتفاعل من خلالها المجتمع الدولي مع الأزمة السودانية.. ولذلك يصعب فصل الرسالة الموجهة إلى الداخل عن الرسالة الموجهة إلى الخارج.. فبينما يخاطب الامتحان سكان المناطق الخاضعة للسيطرة الميدانية باعتباره دليلاً على القدرة على إدارة الشأن العام، فإنه يخاطب الأطراف الإقليمية والدولية باعتباره محاولة لإظهار وجود مؤسسات مدنية وهياكل حكم ووظائف دولة قابلة للاستمرار.

 

*وفي العلوم السياسية كثيراً ما تلجأ الحركات المسلحة والسلطات غير المعترف بها إلى بناء ما يسمى بـ(مؤسسات الأمر الواقع) سعياً لاكتساب الاعتراف التدريجي.. وتبدأ هذه العملية عادة بالخدمات الأساسية والتعليم والصحة والعدالة المحلية، لأن تقديم الخدمات يمنح أي سلطة قدراً من القبول الاجتماعي ويساعدها على ترسيخ حضورها السياسي.. ومن هذا المنطلق يمكن فهم تنظيم الامتحانات باعتباره جزءاً من خطاب سياسي موجه إلى المجتمع الدولي بقدر ما هو موجه إلى السكان المحليين، مفاده أن هناك سلطة قائمة تمتلك مؤسسات وآليات إدارة وتسعى إلى تقديم نفسها باعتبارها طرفاً مؤهلاً للتعامل معه بوصفه واقعاً قائماً على الأرض.

*كما أن لهذه الخطوة بُعداً آخر يتعلق بوحدة الدولة نفسها. فالشهادة الثانوية السودانية ليست مجرد امتحان يُعقد في نهاية مرحلة دراسية، وإنما تمثل أحد أهم المظاهر العملية لوحدة النظام الوطني.. فهي تستند إلى مناهج موحدة، ومعايير موحدة، وشهادة معترف بها على مستوى البلاد كلها، وتشكل البوابة الرئيسة للالتحاق بمؤسسات التعليم العالي.. ولذلك فإن ظهور ترتيبات امتحانية أو مؤسسات تعليمية موازية لا يطرح فقط إشكالاً تربوياً أو إدارياً، وإنما يثير تساؤلات أعمق تتعلق بوحدة الدولة ووحدة مؤسساتها السيادية.. فكما أن تعدد العملات أو الجيوش أو الأنظمة القضائية يمثل مؤشراً على انقسام السلطة، فإن تعدد المرجعيات التعليمية والمعايير الوطنية قد يصبح بدوره أحد مظاهر التآكل التدريجي لوحدة الكيان الوطني.

 

*غير أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الامتحان بوصفه حدثاً منفرداً، وإنما في تراكم مثل هذه الإجراءات مع مرور الوقت.. فالتجارب الدولية تشير إلى أن مؤسسات الأمر الواقع لا تكتسب تأثيرها من قرار واحد أو إجراء واحد، وإنما من تراكم الممارسات اليومية التي تجعل السكان يتعاملون معها تدريجياً باعتبارها المرجع الطبيعي لإدارة شؤونهم.. وكلما طال أمد الحرب واستمرت هذه المؤسسات في أداء وظائف الدولة، ازدادت قدرتها على ترسيخ وجودها الاجتماعي والسياسي، وأصبح تفكيكها أو إعادة دمجها في مؤسسات الدولة المركزية أكثر تعقيداً حتى وإن تغيرت الأوضاع العسكرية لاحقاً

*غير أن هذا التطور يكشف في الوقت نفسه عن مشكلة أخرى لا تقل أهمية، وهي الفراغ الذي تتركه الدولة حين تتراجع قدرتها على الوصول إلى بعض المناطق أو تقديم خدماتها بصورة منتظمة. فالتاريخ السياسي يعلمنا أن الفراغ لا يبقى فراغاً طويلاً؛ إذ تسارع قوى أخرى إلى ملئه، سواء كانت حركات مسلحة أو سلطات محلية أو جهات خارجية. وكلما طال أمد هذا الفراغ، ازدادت قدرة تلك القوى على ترسيخ وجودها وبناء مؤسسات بديلة قد يصعب تفكيكها لاحقاً

ولهذا فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في الامتحان نفسه، وإنما فيما يكشفه من تنافس على وظائف الدولة ورموزها السيادية.. ولا يقتصر معنى الدولة على السيطرة المادية على الأرض، بل يمتد إلى قدرتها على تنظيم حياة المجتمع والحفاظ على وحدة مؤسساتها الوطنية وضمان استمرارية الخدمات العامة التي تربط المواطنين بها.. وكلما انتقلت هذه الوظائف إلى جهات أخرى، حتى ولو بصورة مؤقتة، فإن ذلك يطرح أسئلة جوهرية حول طبيعة السلطة ومستقبل الدولة ووحدة النظام الوطني.

*أما على مستوى المستقبل، فإن السيناريوهات المحتملة متعددة.. فقد يكون ما جرى مجرد خطوة رمزية ذات أبعاد إعلامية وسياسية محدودة.. وقد يكون مؤشراً على توجه أوسع نحو بناء مؤسسات موازية في مجالات أخرى.. وقد يصبح جزءاً من استراتيجية تهدف إلى تعزيز فكرة الإدارة المستقلة لمناطق السيطرة الحالية تمهيداً لمطالب سياسية أكبر في المستقبل.. ولذلك فإن أهمية الحدث لا تكمن فيما حدث اليوم فحسب، وإنما فيما قد يؤسس له غداً

*وفي نهاية المطاف، فإن القضية ليست قضية امتحان يُعقد هنا أو هناك، ولا شهادة تُمنح لهذا الطالب أو ذاك، وإنما قضية دولة تتنازع على وظائفها وسلطاتها ورموزها أكثر من جهة في زمن الحرب.. فكل وظيفة سيادية تنتقل من مؤسسات الدولة إلى مؤسسات موازية تضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى معركة الحفاظ على الوحدة الوطنية واستعادة تماسك الدولة.

*ولذلك فإن السؤال الذي يطرحه امتحان نيالا يتجاوز كثيراً حدود الموسم الدراسي الحالي، ليمس جوهر الصراع الدائر حول طبيعة السلطة ومستقبل السودان ووحدة مؤسساته الوطنية.. فالقضية لا تتعلق بالتعليم وحده، ولا بالاعتراف السياسي وحده، وإنما بالمسافة التي يمكن أن يقطعها مشروع بناء مؤسسات الأمر الواقع إذا استمرت الحرب واتسعت مناطق الفراغ المؤسسي.. ومن هنا تبرز أهمية النظر إلى الحدث باعتباره مؤشراً سياسياً واستراتيجياً يستحق القراءة المتأنية، لأنه يكشف جانباً من المعركة الدائرة على الأرض: معركة السيطرة على وظائف الدولة ورموزها قبل السيطرة على حدودها الجغرافية.

*فالقوة العسكرية قد تفرض السيطرة على الأرض، لكنها لا تكفي وحدها لبناء الدولة أو ضمان استمرارها. فالدولة تستمد تماسكها الحقيقي من وحدة مؤسساتها الوطنية، ومرجعياتها الجامعة، والرموز السيادية التي تمنح المواطنين شعوراً بالانتماء إلى كيان واحد ومصير مشترك. وحين يصبح امتحان الشهادة الثانوية جزءاً من هذا التنافس، فإن الأمر يتجاوز حدود التعليم ليصبح سؤالاً يتعلق بمستقبل الدولة السودانية نفسها، وبالشكل الذي ستخرج به من هذه الحرب حين تضع أوزارها.