آخر الأخبار

انطولوجيا الامتلاء والخواء في قصيدة (امتلاء) للشاعرة الجزائرية زهرة بن عزوز             

 

وردة عون- الجزائر:

النص ينبني على انطولوجيا الامتلاء والخواء. هذه الفلسفه الوجودية التي تجعل من اللغة ممارسة فعلية تترجم تأملات في الوجود و العدم، العتبة الأولى للنص ( العنوان ) يجعلنا في دائرة تساؤل :أي نوع من الامتلاء تقصد الشاعرة؟ في الظاهر امتلاء. وفي باطنه فراغ.امتلاء يفضي إ لى العدم؟ ليس كل امتلاء اكتمال. فأحيانا نتدثر بثوب الاكتمال على انه وفرة ، نتخفى وراء الفراغ لكنها في حقيقة الأمر ما هي إلا خواء. ما بين الامتلاك والفقد. والامتلاء والخواء مساحة فراغ ،هذا الامتلاء هو عدم في الأصل. كلما زادت الرغبةإلى الامتلاء.. كلما زاد النقص

، وهنا يكمن التوهم. فالإنسان الناقص العاجز يظن نفسه أنه مكتملا هذا الامتلاء هل هو دلالة القوة؟ أم هو وسيلة للبقاء ؟ هل هو امتلاء مادي، روحي؟ و هل نتيجة هذا الامتلاء دائما هو خواء ؟، هل هو خواء روحي نفسي وجداني؟. هل هوخواء النفوس والضمائر؟، هل الخواء يدعونه امتلاء؟

النص نسيج شعري مترع بالامتلاء والخواء، حين يتحول الامتلاء الى فراغ والفراغ إلى خواء وعدم ،كأن الامتلاء حدث يتحول إلى حدثين  أحدهمامؤلم في عمقه و الآخرمفرح في ظاهره،وهنا انزياح دلالي من مفهوم الامتلاء كمفهوم كينوني الى مفهوم فلسفي تأملي. حولت الشاعرة الوفرة إلى جفاف،والاكتمال يفضي إلى عدم  والامتلاء ينتهي إلى خواء،والخواء يتخفى في هيئة اكتمال. القصيدة رحلة تأملات في المعنى؛ اامعنى الحقيقي للامتلاء والخواء،وفي معنى الانسان وجوهره. وصف الامتلاء والخواء كحالتين من الشعور،لأن اللغة فعل مقاومة ،قادرة على وصف تقلبات الذات وتناقضات الانسان الشعورية حيث قالت لقد امتلأنا حتى جف النبع فينا. هل هو جفاف كوني؟ أم جفاف من نوع آخر؟. المطر كرمزو دلالة على الامتلاء،  الخصب،  الارتواء.. الامتلاء ليس مجرد استعارة بل هو حقيقة، ورمزية واقعية انسانية.. التساؤل عن الوجود في زمن العبث.. وصف الامتلاء كرمز ذو بعد واقعي مأساوي.. جف النبع هل هو جفاف روحي نفسي؟. هل يرمز الى فقدان الهوية،وجفاف القيم والثقافة والوعي؟  امتلاء ينبثق من الفراغ.. ويفضي الى العدم .. الامتلاء هو ثوب مبطن لحالات اجتماعية تربوية، نفسية وسياسية  قد نظن أننا وصلنا حد الامتلاء لكننا في الحقيقة نعاني الفراغ والخواء. في قول الشاعرة غدونا أوعية للفناء حين يفنى. تصوير لحالات المعاناة والضياع. والتيه والجفاف. كلها تعبر عن انعدام داخلي،صراع نفسي ، إضافة إلى الانعدام المادي  في الوقت والمشاعر والعواطف.. وهذالذي يؤدي إلى الفراغ ،فالفراغ إذا ساد فإنه ينخر الجسد والروح في قول الشاعرة القلوب صارت أراضي متعبة  صرنا: ننتظر مطرا لا يأت.. نمشي ثقالا خفافا. ثقالا دلالة على الامتلاء وخفافا دلالة على الخواء كفعل للتحرر المادي الجسدي. استفهام إنكاري في قولها أي امتلاء هذا الذي ينتهي بنا إ؟إلى خواء؟. وأي خواء ذاك الذي يتخفى في هيئة اكتمال؟  أسئلة فلسفية وجودية شعرية لا تنتظر الشاعرة من ورائها إجابات قاطعة بل هي تأملات في عمق الانسان وجوهر الذات لتجيب عن الأسئلة أن الحقيقة ليست فيما نملك ولا فيما نفقد ولا فيما لا نسعى بل في ذلك التوتر الخفي لأن الذات البشرية تنتابها تقلبات وتحولات بين اللحظه واللحظه توتر داخلي خفي، وهي ما أنهت به الشاعرة قصيدتها بين أن نكون وأن لا نكون تماما.. هو سؤال الهوية، يتساءل  كل من وصل إلى درجة النضج والوعي الانساني. هل هذا الامتلاء.. هل هو الغاية التي ينشدها الإنسان ؟هل هي حالة من الوفرة والاكتمال، أم هو شعورمرتبط بالمعنى ومدى تجاوز الذات للعدم والفراغ والضياع. هل الخواء هو خواء الهوية، خواء الروح والنفس. الخواء والفراغ والعدم ألفاظ تحيل إلى خلو الشيء وغيابه،وعدم وجوده، الخواء يقصد به العدم المطلق والغياب التام للوجود.. لغة الشاعر لغة موحية رمزية، جمعت بين اللغه الصوفية الزاهدة والعمق الفلسفي الوجودي،إضافة إلى توظيف المعجم الدلالي(الامتلاء  الوفرة،الاكتمال، الامتلاك) و(الخواء والعدم والفراغ،الفقد والجفاف). توظيف الثنائيات الضدية.:امتلاء -جفاف.. وفره –عدم.. فراغ – اكتمال. شك- يقين. انطفا- اشتعاله.. ثقالا -خفافا ،توظيف الطبيعة.. المطر،النبع دلاله  على الامتلاء  الخصب ،الارتواء وعدم وجوده دلالة على الجفاف، والضمأ الروحي.. الجفاف المؤدي إلى العطش والفناء، الضوء كرمز ودلالة على النور.. وغيابه يؤدي إلى الظلام،والفقد، وربما تقصد الشاعرة هنا نور البصيرة لفهم أنفسنا، ذواتنا، الضوء يمثل نورالعلم والمعرفة . ورد لفظ خواء في معجم المعاني الجامع. خواء مصدر خواء ،خواء (اسم) الجمع:  أخوية، خواء بطنه: خلوه من الطعام.. الخواء :الفضاء بين الأرض والسماء.. الفضاء بين شيئين.. الخواء من الأرض براحها.. وفي لسان العرب لابن منظور.. فوائد سقط وخلى. قوله تعالى خاوية على عروشها  أي خالية. وفي قصة عاد كأنهم أعجاز نخل خاوية (الآية 7 من سوره الحاقة) خواء: بيت إذا ما خلا من أهله. الخواء: الهواء الذي بين الشيئين  بين الأرض والسماء.

الفراغ هو عدم مادي، معنوي.. الخواء عدم امتلاء ،افتقار داخلي.. معنوي نفسي روحي فكري ،انعدام باطني. غياب المعنى والانتماء.. الخواء أعمق وأشمل من الفراغ هو شعور بالعدم المطلق.. هو خواء الروح،القيم المعرفة،وقد صورت الشاعرة الانسان وكأنه وعاء فارغ حين قالت غدونا أوعية للفناء حين يفنى.. نراوغ بين حدين.. بين امتلاء وفراغ.. امتلاء يفضي.. إلى العدم. أي امتلاء هذا الذي ينتهي بنا إلى خواء. الامتلاء هو حاله شعورية بالوفرة والاكتمال  والرغبة في استمرارية الامتلاء. وهي حالة تعكس أزمة وماساة وجودية تتمثل في فقدان معنى الحياة، انهيار القيم.. اضطرابات وانكسارات. صراعات نفسية  يشعر الإنسان فيها بالضياع والعجز والشك الذي يقتل اليقين. مما يعمق  من حالة الخواء. وردت في القران الكريم لفظة خاوية في قوله: كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها..(الآية259 من سورة البقرة).. و أحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما انفق فيها وهي خاويةعلى عروشها” (الآية42 من سورة الكهف). كلمات القصيدة أشبه بالومضات موجزة ،تكثيف دلالي ورمزي من خلال توظيف الصور والاستعارات ،تكرار لكلمات الامتلاء،الفراغ،الخواء،وكأن كل بيت في القصيدة هو محاولة او دعوةلاستعادة النبع المفقود من أجل الامتلاء والارتواء الروحي والمعنوي. الامتلاء كتجربة لحظية تكشف الحقيقة بين الانسان والذات. بين الجسد والروح. هل الامتلاء هو غاية ما ننشد الوصول إليه. هل هو خلاص روحي. أم هو وسيله لمداراة النقص والعجز. وإخفاءالشعور بالضياع،هل الخواء هوخواء الروح الذي يزول بزوال الامتلاءالروحي والارتواء المعنوي القيمي. تتداخل في القصيدة اللغه الصوفية بالفلسفةالوجودية والفكرالشكسبيري كتناص مع المقولة الشهيرة للكاتب الانجليزي ويليام شكسببر”أكون او لاأكون “،حين قالت الشاعرة في ختام القصيدة أن تكون او لا تكون تماما، ذلك هو سؤال الهوية يتم توظيفه كخلاص من  أعباء الحياة، ولعل الشاعرة لخصت ذلك في أن الحقيقة ليست في مانمتلك،او في ما نفقد ،أو في ما لانسعى،بل في أن نكون أو لانكون تماما ،وهي دعوة إلى إثبات الذات والبحث عن جوهر الأشياء بعيدا عن وهم الامتلاء والامتلاك وأن نصل حد الاكتفاء والرضا في أن نكون أو لانكون.