بين الركام واليتم …. جيل بلا عائل
- تزايد ظاهرة الولادة خارج الزواج
- نزاعات دارفور و حرب 2023، زادت أعداد الأطفال فاقدي السند
- هادية: الطفل في هذه الحالة ضحية مطلقة لخلل إجتماعي وأخلاقي
إعداد – نعمات أبوزيد:
انتشرت ظاهرة العثور على أطفال حديثي الولادة بالطرقات بصورة مزعجة أرقت المجتمع وأقلقت مضاجع الأسر فالظاهرة في
تنام مستمر وزيادة واضحة والعثور على الأطفال غير الشرعيين بالشوارع والكوش وأمام المساجد بعد الحرب، وحسب أحد المصادر أنها ارتفعت بصورة مخيفة ومن يقومون بهذا الفعل غير الأخلاقي متناسين أنهم يرتكبون جريمة مزدوجة في ذات الوقت الامر يحتاج لدراسة من علماء الإجتماع لكشف أسباب تنامي هذه الظاهرة، وعما إذا كانت لها علاقة بالحرب او حالات الإغتصاب الكثيرة التي تعرضت لها بعض الفتيات من أفراد الدعم السريع خلال الحالات التي كشفت عنها الظروف والتي مازالت في المجهول مع اختفاء عشرات الفتيات من مختلف الأعمار. للوقف على حجم الظاهرة التقينا بأهل الاختصاص في هذا المجال ..إلى تفاصيلها
نماذج:
عثر بعض المواطنين على ثلاثة أطفال حديثي الولادة على قارعة الطريق داخل أحد أحياء العاصمة الخرطوم، شهود عيان أوضحوا ان عربة بوكس توقفت وانزل سائقها كرتونتين بأحد الشوارع النائية بحي من أحياء العاصمة الخرطوم، فإعتقدوا انها نفايات، إلا انهم شكوا في الأمر لتحركات سائق البوكس السريعة المضطربة، وعندما توجهوا ناحيتها عقب إنصراف البوكس مباشرة فوجئوا بوجود ثلاثة أطفال حديثي الولادة، 2 ذكور وأنثى، داخل كرتونتين، حيث تم وضع التؤام الذكور معا في كرتونة واحدة، والأنثى داخل كرتونة لوحدها، وتمت تغطيتهم بملاءات.
صدمة مركبة:

وتحدثت الينا هادية الشريف مختص الصحة النفسية والتي ابتدرت حديثها قائلة: هذه الظاهرة المعروفة علميا واجتماعيا بالتخلي عن الأطفالChild Abandonment
في ظروف قاسية في الشوارع أو مجاري الصرف الصحي تمثل صدمة مركبة تمتد آثارها من اللحظات الأولى للولادة وترافق الإنسان في كل مراحل نموه البنيوي والنفسي عندما يكبر هؤلاء الأطفال وتظهر آثار هذه التجربة القاسية على مستويات عدة الاضطرابات النفسية والسلوكية عند الكبر.
وعندما يبدأ الطفل في استيعاب قصة حياته والوعي بظروف نشأته، يواجه تحديات نفسية عميقة تشمل
اضطراب التعلق المرضي (Attachment Disorder)
السنوات الأولى من حياة الطفل تتمحور حول بناء رابطة ثقة مع مقدم رعاية أساسي (الأم عادة).
التخلي المبكر يضرب هذه الغريزة
في مقتل فيكبر الطفل وهو يعاني من نوعين من الاضطراب
التعلق المتجنب يرفض القرب من الآخرين ولا يثق بأحد لحماية نفسه من صدمة هجران جديدة.
التعلق القلق المضطرب يبحث عن الاهتمام بشكل مفرط ومرضي، ويظل خائفا باستمرار من أن يتركه أصدقاؤه أو شريك حياته مستقبلا
تساؤلات الوجود:
يرافق المراهق والبالغ سؤال دائم ومؤلم لماذا تُركت..وهل العيب فيّ؟
ويعاني هؤلاء الأطفال غالباً من انخفاض حاد في تقدير الذات(Self-esteem) حيث يترجم العقل الباطن للطفل فعل الرمي في مكان غير نظيف على أنه مؤشر لـعدم قيمته الشخصية وهو ما يتطلب علاجا نفسياعميقا لتفكيك مواجهة المجتمع.
النظرة المجتمعية القاصرة للولادات خارج إطار الزواج تفرض ضغطا نفسيا إضافيا ووصمة عار لا ذنب للطفل فيها مما يزيد من شعوره بالاغتراب والعزلة.
اضطراب ما بعد الصدمة :
حتى وإن لم يتذكر الشخص تفاصيل يومه الأول، فإن الجسد والجهاز العصبي يحتفظان بالصدمة (Memory of the body)
وقد يظهر ذلك عند الكبر على شكل كوابيس واضطرابات نوم ونوبات ذعر غير مبررة عند الشعور بالوحدة أو الروائح المرتبطة بمكان التخلي وميل نحو الاكتئاب السريري أو الظلام ويشعر بالتأثير على النمو المعرفي والاجتماعي وصعوبات التعلم
بسبب تأثر الدماغ في المراحل الأولى بالتوتر والحرمان وقد يواجه بعضهم صعوبة في التركيزوالاستيعاب، أو التحكم في الانفعالات (اضطرابات السلوك).
العلاقات الاجتماعية:
وهؤلاء يجدون أيضا صعوبة بالغة في بناء علاقات عاطفية أو صداقات مستقرة نتيجة الخوف المزمن من الرفض والخيانة.
طوق النجاة:
كيف يتجاوز الطفل هذه الآثار؟
الآثار النفسية المذكورة أعلاه ليست قدرا حتميا لا يمكن تغييره؛ مرونة الدماغ البشري تمكنه من التعافي إذا توفرت العوامل التالية في وقت مبكر:
الاحتواء الأسري، البديل السريع
كلما حظي الطفل بأسرة بديلة (كافلة) تقدم حبا غير مشروط وأمانا جسديا ونفسيا في وقت مبكر،قلّت حدة الاضطرابات النفسية بشكل كبير
الدعم النفسي المتخصص:
التدخل العلاجي (العلاج باللعب في الطفولة، والعلاج السلوكي المعرفي في المراهقة) يساعد الطفل على إعادة بناء مفهومه عن ذاته وفصل قيمته الإنسانية عن ظروف ولادته
الوعي المجتمعي والمؤسسي:
توفير بيئات دور رعاية صديقة ومؤهلة وحماية الهوية القانونية والاجتماعية للطفل دون تمييز، يعيد له اعتباره كإنسان كامل الحقوق والكرامة
وفي الختام الطفل في هذه الحالة هو ضحية مطلقة لخلل اجتماعي وأخلاقي ونموه السليم بعد الكبر يعتمد كليا على مدى الرحمة وتوفر الامان والتعامل الإنساني والمؤسسي الذي سيتلقاه من المجتمع لتعويضه عن قسوة بداياته.
الوصم الاجتماعي:

أشار علماء الاجتماع إلى أن المصطلح نفسه جزء من (الوصم الاجتماعي) لأنه يحمّل الطفل نتيجة فعل والديه وهناك دراسات ميدانية من جامعة الخرطوم وجامعة الأحفاد وضحت أن الوصمة مزدوجة: -على الطفل: صعوبة في استخراج الأوراق الثبوتية، التنمر في المدرسة، تحديات في الزواج لاحقاً خاصة للبنات.
على الأم: تُحمّل المسؤولية الأخلاقية كاملة تقريباً، وتواجه نبذا أسريا ومجتمعيا قد يصل للعنف أو الطرد.
الوصمة هذه مرتبطة بمركزية مفهوم (العرض) و(الشرف القبلي) في أجزاء واسعة من المجتمع.. فالطفل يصبح تهديدا لبنية الأسرة الممتدة ومكانتها.
الاغتصاب كسلاح حرب:
بعد 2003 ومع نزاعات دارفور ثم حرب 2023، زادت أعداد الأطفال فاقدي الرعاية الوالدية بسبب الاغتصاب كسلاح حرب، النزوح، وتفكك الأسر.. منظمات مثل اليونيسف تقدر أن آلاف الأطفال في دور الرعاية هم نتيجة ولادات خارج الزواج.
علماء الاجتماع ربطوا بين الظاهرة والفقر: بنات كتيرات يشتغلن في المدن في البيوت أو المطاعم بدون حماية اجتماعية، فيحصل الحمل في ظروف استغلال أو علاقات غير مستقرة.