آخر الأخبار

فلسفة البناء.. كيف يُصنع المركز من الأطراف؟

د. الهادي عبدالله أبوضفائر

*الخطيئة الكبرى للأمم لا تكمن في شحّ الموارد، وإنما في فساد التصورات واختلال الوعي. فالمفاهيم المغلوطة، سواء نشأت من الجهل أو صُنعت عمداً، تنسج ضباباً كثيفاً يحجب الحقيقة ويشوّه البصيرة فتسهل فيه صناعة الضحايا وتعلو الأهواء الفردية على المصلحة العامة.

 

*الحياة لا تعترف بالصدف وكل نهاية منطقية ومبهرة قوية هي ابنة شرعية لمقدمة سليمة جرى تدبيرها بليل، فالكون محكوم بنواميس صارمة تنبئنا بأنّ الظل لا يستقيم والعود أعوج، وأنّ النيّ مصيره الحتمي يرجع للنار، وليس في وسع اي شخص كائنا من كان أن يجني من شوك الإهمال عنب التنمية، فالطرق الملتوية لا تثمر إلا تِيهاً وضلالاً، فالبدايات السليمة محفوفة بالصبر والمثابرة ما يقود إلى النهوض.

 

*وهكذا النواميس تتجلى في أصغر تفاصيل ثقافتنا السودانية وأكثرها عفوية، في عملية  عواسة (الكسرة)، تظهر عبقرية الفطرة، فالطباخة الحاذقة لا تبدأ الاهتمام بالأدوات فقط (القرقريبة وكورية الموية)، بينما تدهن الصاج (بالطايوق) لمنع الالتصاق، وتستخدم (علبة الصلصة) للحواف لضمان سلاسة العواسة، ثم تسكب العجين في الوسط وتوزع بالتساوي ليتحد السُمك ويتوازن النضج.

 

*وحين تنضج الكسرة تأتي الإشارة من الأطراف، إذ ترتفع الحواف نحو الأعلى معلنةً تمام (النجاض).. هذه اللمحة العفوية تلخص فلسفة التنمية المتوازنة.. فالمناطق غير المرئية والأطراف النائية هي معيار نضج الأوطان، فإذا لم تنضج الأطراف، يظل المركز هشاً ومهدداً، فالتنمية بالمركز على حساب الأطراف هو قلب للوضع الطبيعي ومخالفة صريحة لكتالوج المصنع الإلهي.

*إنّ الطبيعة من حولنا مليئة بالأدلة فالطير لا يستطيع التحليق بدون أطراف (إلاجنحة)، وإذا ما ضعفت الأطراف سقط الجسد كله، وحتى الشجرة التي ضرب الله بها مثلاً كشجرة طيبة، لا يثبت أصلها في الأرض إلا بقدر ما تمتد فروعها وأطرافها في السماء لتستمد الحياة وتثبت الوجود.

*(وفي انفسكم أفلا تبصرون) جسد الإنسان إذا ما شُلّت أطرافه، يفقد قدرته على الإنتاج وصناعة الحضارة، وتنفرط عقد القوة والمهابة حتى في الدوائر الاجتماعية الصغرى، والأكثر ايلاماّ في داخل البيت تفقد الرعاية (كراع عنقريب). وحتى الملاعب، يُوكل الاختراق وصناعة الفارق لأسرع اللاعبين وأحرفهم ليلعبوا في الأطراف (الأجنحة)، لأنها هي التي تصنع الفارق وتفكك حصون الخصوم.

*وعلى النقيض من ذلك فإن إهمال الأطراف هو الثغرة التي يتسرّب منها الخراب إلى الدول. فمنها تنتشر الجريمة، وتُهرَّب الثروات، وتُستباح السيادة.. والتاريخ شاهدٌ على أن السقوط يبدأ غالباً من الهوامش لا من المراكز، ففي معركة أُحد لم يكن الخلل في قلب المعركة، بل في ثغرةٍ على الطرف غيّرت مجرى الأحداث. (الحبل لا ينقطع إلا من محل رقيق)، والأوطان لا تتآكل إلا من أطرافها المهملة، لذلك فإن تنمية الأطراف ليست ترفاً، بل صمّام أمان لبقاء الدولة وقوتها.

*ويدرك المزارع البسيط هذه الحقيقة بفطرته فلا يزرع أرضه قبل أن يحيطها بسياج يحفظها.. وفي الريف تُحصَّن الجباريك بالحيشان، وفي المدن تُشيَّد الأسوار وتُمد الأسلاك على الأطراف قبل اكتمال البناء.. وكأن الجميع يقرّ بحكمة واحدة، أن الحماية تبدأ من الحدود لا من القلب، وأن سلامة المركز رهينةٌ بقوة أطرافه.

*إلا أننا نُهمل الأطراف ثم نطلب مركزاً قوياً، بينما الحقيقة أن المركز لا يقوى إلا بأطرافه. لكن العقلية السياسية والفكرية، يميناً ويساراً، وحتى بعض الكيانات الدينية، دأبت على إبقاء الأطراف في عتمة الجهل والتهميش، حفاظاً على مصالحها الضيقة وخوفاً من تمدد الوعي واتساعه.

*في مفارقة لافتة تُسارع النخب إلى تحديث أدواتها المادية، بينما تستميت في إبقاء عقول الجماهير في قوالبها القديمة، يُتبع بلا تفكير ويُردَّد بلا سؤال، ومن يخرج عن المألوف يُتَّهَم بالخروج من الملة. وهكذا يتحول التجهيل المتعمد إلى صناعة للهشاشة، فتغدو الأطراف قنابل موقوتة، ويغرق الوطن في دوامة حروبٍ عبثية تستنزف الإنتاج. وحين يتآكل الإنتاج، لا يبقى من الدولة إلا كيانٌ هشٌّ قابلٌ للاستباحة من الداخل قبل الخارج.

*وبالنظر إلى تجارب التحول الكبرى في العالم، يتضح أن كثيراً من الطفرات التنموية بدأت من الأطراف قبل المراكز.. ففي ماليزيا حين تولّى مهاتير الحكم، وجد الريف مهمشاً وأغلبية الملايو في دائرة الفقر والتأخر.. ولم يبدأ من الأبراج في كوالالمبور، بل اتجه إلى سياسة تنمية متوازنة، منح فيها الأطراف امتيازات خاصة، ليُلحقها بركب الدولة الحديثة وتنهض مع المركز في آن واحد.

*أدرك مهاتير أن الإنسان الذي يعيش في ريفٍ معزول، يرهقه الحرمان وتنهكه قسوة الحياة، ويُستغل عرقه لصالح السماسرة، لن يشعر بانتماء حقيقي لوطنٍ لم يمنحه أسباب الكرامة. فحين يتساوى الأمل واليأس في النفوس ويفقد الوطن معناه، وتتحول العلاقة به من انتماءٍ إلى مسبة (ملعون ابوك يا بلد).. لأن الموت والحياة عنده سيان.

*إن استعادة كرامة الإنسان وتحريره من وطأة المرض والجهل والسمسرة، كانت حجر الأساس الذي حول ماليزيا من بلد ممزق إلى عملاق اقتصادي. فالمواطن الذي ينعم بالأمن والكرامة ويجد نصيبه العادل من التنمية، يتحول إلى شريك في بناء الوطن وحارس لاستقراره. فالبداية الصحيحة لا تكون من المراكز، بل من رعاية الإنسان في الاطراف.. وذلك هو جوهر السلم الشامل الذي دعا إليه الحق سبحانه وتعالى، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً) إذ لا يستقيم بنيان الوطن حتى تنعم أطرافه بالأمن، وتزدهر فيها الكرامة، فيمتد ظله وارفاً على الجميع.